الأمن الرياضي كقوة ناعمة: النموذج المغربي تحت مجهر الـFBI قبل مونديالي 2026 و2030

بوشعيب البازي

في سياق يتجاوز الطابع البروتوكولي للزيارات الأمنية التقليدية، استقبلت المديرية العامة للأمن الوطني وفدًا رسميًا رفيع المستوى من مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي (FBI)، في زيارة تمتد من 4 إلى 6 يناير الجاري، وتهدف إلى الاطلاع الميداني على الترتيبات الأمنية المعتمدة من طرف المغرب لتأمين نهائيات كأس أمم إفريقيا لكرة القدم 2025. وهي زيارة تحمل دلالات استراتيجية عميقة، سواء على مستوى الاعتراف الدولي بالكفاءة الأمنية المغربية أو في أفق التحضيرات العالمية لتنظيم كأس العالم 2026 و2030.

الوفد الأمريكي، الذي يضم مسؤولين بارزين في هرم العمليات الميدانية والتدخل في الحالات الطارئة داخل الـFBI، استهل زيارته بمعاينة ميدانية دقيقة للمنظومة الأمنية المعتمدة بملعب الأمير مولاي عبد الله بالرباط، بالتزامن مع مباراة المنتخب المغربي ونظيره التنزاني. وقد شملت هذه المعاينة مختلف حلقات السلسلة الأمنية، من الانتشار البشري لفرق الأمن، إلى مستويات المراقبة التقنية المتقدمة، خاصة عبر الطائرات المسيرة والكاميرات عالية الدقة، وصولًا إلى آليات القيادة والتحكم التي تضمن التنسيق اللحظي بين مختلف المتدخلين.

هذا الحضور الميداني لم يكن معزولًا عن البعد العملياتي، إذ اطلع الوفد الأمريكي على كيفية اشتغال مراكز القيادة الثابتة والمتنقلة، باعتبارها العمود الفقري لأي منظومة أمنية حديثة، قادرة على الاستباق والتفاعل السريع مع المخاطر المحتملة. وهو ما يعكس انتقال المقاربة الأمنية المغربية من منطق التدبير التقليدي إلى منطق “الأمن الذكي” القائم على الدمج بين العنصر البشري والتكنولوجيا.

وفي بعده الإفريقي، شكّلت زيارة مركز التعاون الأمني الإفريقي محطة أساسية في برنامج الوفد الأمريكي، حيث وقف ممثلو الـFBI على تجربة مغربية فريدة في مجال التنسيق الأمني متعدد الجنسيات. فهذا المركز لا يضطلع فقط بدور تقني، بل يؤسس لمنطق الشراكة الأمنية بين الدول الإفريقية المشاركة في البطولة، من خلال إشراك ضباط ارتباط أجانب وتيسير تبادل المعلومات في الزمن الحقيقي، خاصة في ما يتعلق بتأمين الجماهير وتنقلاتها.

اللافت أن الوفد الأمريكي شارك في جلسة تقييم للترتيبات الأمنية لمباراة المغرب وتنزانيا، ما يعكس اهتمامًا عمليًا بتفاصيل الاشتغال اليومي، وليس مجرد الاطلاع النظري. كما يرتقب أن تشمل الزيارة ملعب مولاي الحسن بالرباط، لمتابعة تأمين مباراة الجزائر وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وهي مباراة ذات حساسية جماهيرية، تبرز قدرة النموذج المغربي على تدبير التعدد والاختلاف في سياق رياضي دون إخلال بالأمن أو انزلاق نحو التوتر.

وتندرج هذه الزيارة، في جوهرها، ضمن سعي الولايات المتحدة إلى الاستفادة من التجربة المغربية، خاصة وأنها مقبلة على تنظيم كأس العالم 2026، وفق متطلبات صارمة يفرضها الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA)، وعلى رأسها إحداث مركز للتعاون الأمني الدولي يضم ممثلي الأجهزة الأمنية للدول المشاركة. وهي متطلبات سبق للمغرب أن راكم فيها تجربة عملية، سواء خلال التظاهرات القارية أو الدولية.

لكن الأبعاد تتجاوز مونديال 2026، لتلامس أفق 2030، حيث سيكون المغرب طرفًا مباشرًا في تنظيم كأس العالم، إلى جانب إسبانيا والبرتغال. وهو ما يجعل من تعزيز التعاون الأمني المغربي-الأمريكي استثمارًا استراتيجيًا طويل الأمد، يقوم على تبادل الخبرات في مجالات تقييم المخاطر، إدارة الأزمات، والتوظيف الذكي للتكنولوجيا في المجال الأمني.

في المحصلة، لا تعكس زيارة وفد الـFBI مجرد اهتمام تقني عابر، بل تؤشر على تموقع المغرب كفاعل أمني موثوق في محيطه الإقليمي والدولي، وعلى تحوّل الأمن الرياضي إلى أداة من أدوات القوة الناعمة، التي تعزز صورة الدولة وقدرتها على تنظيم أحداث كبرى وفق أعلى المعايير العالمية. وهو رهان يبدو أن المغرب كسب فيه ثقة شركائه، قبل سنوات من صافرة مونديال 2030.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com