حين تتكلم الإشارة أكثر من الهدف: جدل حسام حسن في ليلة عبور الفراعنة

بوشعيب البازي

في كرة القدم، كما في السياسة، ليست كل الإشارات بريئة، وليست كل الحركات مجرد “لغة جسد” عابرة. أحياناً، تكفي حركة يد واحدة لتحويل هدف قاتل في الوقت بدل الضائع إلى نقاش إقليمي مفتوح… وهذا بالضبط ما فعله حسام حسن، مدرب منتخب مصر، دون أن ينطق بكلمة.

في الدقيقة الأخيرة من الشوط الإضافي الثاني، حين وضع محمد صلاح الكرة في الشباك، معلناً الهدف الثالث ومسدلاً الستار على مواجهة بنين (3-1)، كان يفترض أن تنتهي الحكاية عند حدود الفرح الرياضي الخالص. انتصار مصري مستحق، بطاقة عبور واضحة، وصفحة تُطوى بهدوء. لكن الكاميرات، كعادتها، لا تحترم الهدوء.

التقطت العدسة حسام حسن وهو يوجّه إشارات بيده نحو مدرجات ملعب “أدرار” بأكادير، حيث امتلأت المقاعد بجماهير مغربية جاءت، في أغلبها، لتؤازر “الفراعنة” لا لمناكفتهم. الإشارة، كما قرأها جمهور واسع على منصات التواصل، بدت وكأنها تقول: “مصر في القلب”… أو ربما: “تذكروا من نحن”. وهنا تحديداً بدأ الجدل، لأن كرة القدم لا تحب الجُمل الناقصة، ولا الإشارات القابلة لأكثر من تأويل.

في المغرب، لم يُستقبل المشهد بوصفه احتفالاً عادياً. اعتبره كثيرون سلوكاً مستفزاً، ليس لأنه جارح أو فظ، بل لأنه بدا خارج السياق. فالجماهير المغربية، منذ انطلاق كأس إفريقيا المقامة على أرض المملكة، لعبت دور “الضيف الكريم” بامتياز: تشجيع واضح لمصر، تصفيق لصلاح، وحفاوة لا تحتاج إلى شهادة حسن سلوك. بل إن مباراة بنين نفسها شهدت، بشهادة الجميع، ميلاً جماهيرياً واضحاً لصالح المنتخب المصري، حتى بدت بنين وكأنها تلعب خارج الديار مرتين.

من هنا جاء الاستغراب: إذا كانت المدرجات صديقة، فلماذا لغة العتاب؟ وإذا كان الجمهور مرحّباً، فلماذا إشارات التذكير؟ أسئلة لم تجد إجابة موحدة، لكنها وجدت طريقها بسرعة إلى “فيسبوك” و”إكس”، حيث تتحول الإيماءة إلى بيان سياسي، وحركة اليد إلى موقف تاريخي.

حسام حسن، من جهته، حاول إغلاق القوس سريعاً. في المؤتمر الصحفي عقب المباراة، نفى أي نية لاستفزاز أو انتقاد الجماهير المغربية، معتبراً أن الفيديو المتداول أُسيء فهمه. قال، بنبرة أقرب إلى الدفاع الهادئ: “الجماهير المغربية، خصوصاً في أكادير، كانت وما زالت داعمة لنا، فكيف لي أن أنتقدهم؟”. ثم شكر الجميع، مصريين ومغاربة، وأعاد الكرة إلى منتصف الملعب… إعلامياً على الأقل.

لكن الضرر، في مثل هذه الحالات، لا يُقاس بالنية، بل بالأثر. فالمدرب الذي يُعرف بعصبيته وشخصيته الصدامية، حتى عندما يبتسم، يُفسَّر ابتسامه بحذر. وحسام حسن ليس جديداً على الجدل؛ تاريخه كلاعب ومدرب مليء بلحظات “زائدة عن اللزوم”، تلك التي تمنح الصحافة مادة دسمة، حتى في أيام الانتصار.

في المحصلة، خرجت مصر فائزة، وبقيت العلاقة المصرية–المغربية، شعبياً على الأقل، أكثر نضجاً من حركة يد. فالجماهير التي صفقت لمصر لن تغيّر رأيها بسبب إشارة، والجماهير المصرية تدرك أن المغرب لم يكن يوماً إلا أرضاً مرحبة. أما كرة القدم، فستستمر في إنتاج هذه اللحظات الرمادية، حيث يمتزج الفرح بسوء الفهم، والانتصار بسؤال جانبي لا علاقة له بالنتيجة.

الآن، ينتظر “الفراعنة” منافسهم في ربع النهائي، بين كوت ديفوار حاملة اللقب وبوركينا فاسو. مباراة جديدة، اختبار جديد، وربما… فرصة جديدة للاحتفال. على أمل أن تبقى الأهداف هي التي تتكلم، لا الأيدي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com