في المدرّجات لا يدخل الفرد باسمه الشخصي، بل بجوازٍ رمزي أكبر: قميص المنتخب. هناك، يصبح القميص علَماً متحركاً، والهتاف بياناً دبلوماسياً، والسلوك للأسف عنواناً عريضاً لبلدٍ كامل. فالجمهور، حين يسافر، لا يُعرّف بنفسه ببطاقته الوطنية، بل بما يفعله وهو يرتدي ألوان وطنه.
من هذه الزاوية تحديداً، يمكن فهم القاعدة البسيطة التي يعرفها الجميع ويتجاهلها البعض: حين يُسيء المشجّع، لا تُساء سمعته وحده؛ تُساء صورة وطنه. لا أحد في المدرّج يسأل عن اسمك، ولا أحد في الشارع يهمّه لقبك العائلي. ما يُرى هو القميص، وما يُحفظ هو الانطباع.
خلال مباريات كأس إفريقيا وفي بعض الفضاءات العامة بالمغرب، قدّم بعض المشجّعين الجزائريين—ونشدّد على «بعض»—عرضاً جانبياً لم يكن مدرجاً في برنامج البطولة. عرضٌ بلا كرة ولا حكم ولا صافرة، لكنه حافل بالإيماءات التي لا تحتاج إلى إعادة بطيئة لفهمها. من التبول في فضاءات الملاعب، إلى افتعال شجارات مع مواطنين مغاربة، وصولاً إلى التحوّل المفاجئ من مشجّع إلى بائع متجول في أسواق الرباط، بدا المشهد وكأنه مسابقة موازية: كيف نربك الصورة في أقل وقت ممكن؟
السخرية هنا ليست في الفعل وحده، بل في المفارقة. فالمشجّع الذي يسافر آلاف الكيلومترات ليهتف لوطنه، ينتهي به الأمر—من دون أن يدري—وهو يهتف ضد صورته. يرفع الشعار الوطني عالياً، ثم يضعه أرضاً بسلوكٍ يومي بسيط. كأن القميص صار لافتة إشهارية لسلوكٍ لا علاقة له بالرياضة، ولا حتى بالفرح.
والأخطر من ذلك أن هذه الأفعال لا تُقرأ فردياً. الجمهور لا يملك ترف التفريق بين «فلان» و«علان». في الوعي الجمعي، المشهد يُختصر: «هذا جمهور ذلك البلد». وهنا تكمن المعضلة. فالتاريخ لا يحفظ التفاصيل، بل يحتفظ بالانطباعات. والانطباع، حين يكون سلبياً، يصبح عبئاً ثقيلاً على كاهل وطنٍ كامل، لا على كتف مشجّع عابر.
لا يعني هذا ولن يكون اتهاماً لشعبٍ بأكمله، ولا تعميماً أخلاقياً رخيصاً. فكل جماهير العالم تضمّ الصالح والطالح، العاقل والمتهوّر. لكن الذكاء الجماعي يُقاس بقدرة الأغلبية على عزل السلوك الشاذ، لا بتبريره أو التعايش معه. لأن الصمت هنا ليس حياداً، بل مشاركة غير مباشرة في تشويه الصورة.
في النهاية، كرة القدم ليست مجرد لعبة، والجمهور ليس مجرد خلفية صوتية. الجمهور واجهة، والواجهة إمّا أن تكون زجاجاً يعكس جمال الداخل، أو مرآةً مشروخة تُظهر أسوأ ما يمكن إظهاره. وبين الخيارين، لا يحتاج المشجّع إلى محاضرة في الأخلاق، بل إلى تذكير بسيط: حين ترتدي قميص بلدك، أنت لا تمثّل نفسك. أنت تمثّل بلداً كاملاً—شاء ذلك من شاء، ورفض من رفض.