في كرة القدم، كما في السياسة، لا يكفي أن تفوز… الأهم هو كيف تفوز. مساء الثلاثاء بالرباط، حجز المنتخب الجزائري بطاقة العبور إلى ربع نهائي كأس أمم إفريقيا 2025، بهدف قاتل في الدقيقة 119، كتبه عادل بولبينة ووقّع به لحظة خلاص طال انتظارها. غير أن ما تلا الهدف بدا، للأسف، أكثر صخبًا من الهدف نفسه، وأطول عمرًا من نتيجته.
كان من المفترض أن تُكتب تلك الليلة في خانة “النجاة الكروية”، لكنها انزلقت سريعًا إلى ملف آخر: سلوكيات ما بعد الفوز، حيث خرج بعض اللاعبين عن النص، لا تكتيكيًا هذه المرة، بل أخلاقيًا ورمزيًا.
الفوز… ثم ماذا؟
على المستوى الرياضي الخالص، لم يكن انتصار الجزائر نزهة. “محاربو الصحراء” عانوا، ترددوا، وشككوا في أنفسهم، قبل أن يضربوا في اللحظة التي تُكافئ فيها كرة القدم الصبر لا التفوق. منتخب الكونغو الديمقراطية غادر مرفوع الرأس، بعد مباراة تليق بالمسابقة، وبروح تنافسية عالية.

لكن كرة القدم لا تُقاس فقط بالأهداف، بل أيضًا بالتصرفات التي تليها. وهنا بالضبط، بدأت المباراة الثانية… تلك التي لا تُلعب بالكرة، بل بالإيماءات، والكلمات، والرسائل غير المحسوبة.
عندما تصبح الحركة الزائدة عبئًا
اللقطة الأكثر تداولًا لم تأت من المستطيل الأخضر، بل من المدرجات. محمد عمورة، لاعب فولفسبورغ الألماني، قرر أن يحتفل بطريقته الخاصة، مستهدفًا مشجعًا كونغوليًا اشتهر طيلة البطولة بوقفته الصامتة، المهيبة، المستلهمة من روح باتريس لومومبا.
ذلك المشجع لم يكن لاعبًا، ولا خصمًا، ولا حتى مستفزًا. كان مجرد رمز شعبي، صامت، اختار أن يحيي ذاكرة تاريخية إفريقية بطريقة نبيلة. لكن عمورة رأى في المشهد فرصة لـ“تقليد ساخر”، انتهى بسقوط مسرحي على الأرض.
كرة القدم تسمح بالاحتفال، لكنها لا تمنح ترخيصًا للسخرية من الرموز، خاصة عندما تكون دموع الإقصاء لا تزال ساخنة في العيون المقابلة. في تلك اللحظة، بدا أن اللاعب لم يهزم منتخبًا، بل اختار أن “ينتصر” على مشجع أعزل… وهو انتصار لا يُسجَّل في أي إحصائية محترمة.
الكلمات التي لا تموت
وفي مشهد آخر، اختار بغداد بونجاح أن يضيف تعليقًا صوتيًا على الأمسية. عبارات نابية، موثقة بالكاميرا، وُجِّهت للجماهير، وفُهمت – بسياقها وتوقيتها – على أنها تحمل إساءة تتجاوز حدود المنافسة الرياضية.
في بطولة تُقام بالمغرب، وفي ملاعب فتحت أبوابها للجماهير الجزائرية دون حسابات ضيقة، حيث رُفع شعار “خاوة خاوة” عمليًا لا نظريًا، جاءت تلك الكلمات كصوت نشاز في حفل كان يمكن أن يكون إفريقيًا بامتياز.
كرة القدم قد تنسى هدفًا، لكنها لا تنسى شريط فيديو.
ذاكرة قريبة لا تحتاج إلى تذكير
هذه الانزلاقات لا تظهر من فراغ. الذاكرة الرياضية الإفريقية ما زالت تحتفظ بمشاهد غير مشرفة، من قبيل هتافات عنصرية سُمعت في افتتاح “شان 2022” بالجزائر، في وقت تتحدث فيه الهيئات الكروية العالمية عن “صفر تسامح” مع التمييز.
المفارقة أن المغرب، الذي يستضيف نسخة 2025، اختار مسارًا معاكسًا تمامًا: تنظيم محكم، استقبال واسع، وخطاب رسمي وشعبي يؤكد على الأخوة الإفريقية، بعيدًا عن الاستثمار السياسي في المدرجات.
حتى الجماهير الجزائرية نفسها، بعيدًا عن عناوين الصحافة، لم تُخفِ إعجابها بالتنظيم، وسهولة التنقل، وجودة الملاعب. واقع ميداني يصعب إنكاره، مهما حاولت بعض الأقلام التقليل من شأنه… أحيانًا حتى دون ذكر اسم البلد المضيف.
فوز ملوّث بالأسئلة
في النهاية، تأهلت الجزائر، وهذا حقها الرياضي الكامل. لكن الطريقة التي أُدير بها الاحتفال، والرسائل التي رافقته، تطرح أسئلة أكبر من مباراة:
عن صورة اللاعب كنموذج، عن معنى الفوز في كرة القدم الحديثة، وعن الفرق بين الحماس… والانفلات.
في تلك الليلة بالرباط، ربحت الجزائر بطاقة العبور، لكنها خسرت فرصة ثمينة لتقديم درس في الروح الرياضية. كرة القدم الإفريقية، التي تبحث عن مكانتها العالمية، تستحق انتصارات أنظف، واحتفالات أذكى، ولاعبين يدركون أن القميص الوطني لا يُمثل فريقًا فقط… بل ثقافة كاملة.
النتيجة سُجّلت. أما الصورة، فهي ما سيبقى.