كأس أمم أفريقيا في المغرب: ربع نهائي بلا مفاجآت… وصراع تاريخي يعيد رسم خريطة القارة
بوشعيب البازي
مع إسدال الستار على منافسات دور الـ16 لبطولة كأس أمم أفريقيا، الجارية حاليًا في المغرب والمتواصلة حتى 18 يناير، بدا المشهد العام للبطولة أقرب إلى “منطق الكبار” منه إلى سيناريوهات المفاجآت التي لطالما وسمت المسابقة الأفريقية. فباستثناء خروج المنتخب التونسي، بطل نسخة 2004، بركلات الترجيح أمام مالي، جاءت بقية النتائج منسجمة مع موازين القوى، ليكتمل عقد دور الثمانية بحضور منتخبات الصف الأول في القارة.
هذا الاستقرار في النتائج لا يعني غياب الإثارة، بل على العكس، يفتح الباب أمام مرحلة أكثر تعقيدًا، حيث تتحول البطولة من صراع عبور إلى معركة هوية كروية وتاريخية، خاصة مع وصول سبعة منتخبات سبق لها اعتلاء منصة التتويج، بإجمالي 22 لقبًا قاريًا.
مواجهات الوزن الثقيل
قرعة ربع النهائي جاءت بمواجهات تختصر تاريخ أمم أفريقيا في تسعين دقيقة. مصر، صاحبة الرقم القياسي بسبعة ألقاب، تصطدم بكوت ديفوار، حاملة اللقب، في مواجهة تختبر الخبرة أمام الطموح المتجدد. وفي الرباط، يواجه المغرب المستضيف نظيره الكاميروني، أحد أكثر المنتخبات تتويجًا في القارة بخمسة ألقاب، في مباراة تعيد إلى الأذهان صدامات التسعينيات وتضع “أسود الأطلس” أمام اختبار الشخصية قبل اختبار المهارة.
أما قمة الجزائر ونيجيريا، فهي المواجهة الأكثر توازنًا على الورق، إذ يدخلها المنتخبان بسجل مثالي من الانتصارات في النسخة الحالية، ما يجعلها صراعًا مفتوحًا بين مدرستين كرويتين مختلفتين: الواقعية الجزائرية في مواجهة القوة الهجومية النيجيرية. وفي لقاء أقل ضجيجًا لكنه لا يخلو من الدلالات، تلتقي السنغال، بطلة 2021، مع مالي الباحثة عن أول لقب في تاريخها.
العرب بين الحلم والواقع
بوصول مصر والمغرب والجزائر إلى ربع النهائي، يبقى الأمل العربي قائمًا في استعادة اللقب الغائب منذ تتويج الجزائر عام 2019. غير أن هذا الأمل يصطدم بواقع منافسة شرسة، في ظل صعود منتخبات تمتلك خبرة التتويج وقدرات فنية وبدنية عالية.
المفارقة أن المنتخبات العربية الثلاثة تأهلت بصعوبة نسبية في دور الـ16: مصر احتاجت للوقت الإضافي أمام بنين، والمغرب تجاوز تنزانيا بهدف يتيم، فيما حسمت الجزائر مواجهتها أمام الكونغو الديمقراطية بذات النتيجة. مؤشرات تعكس صلابة دفاعية، لكنها تطرح تساؤلات حول الفاعلية الهجومية في الأدوار الحاسمة.
بطولة الكبار
أحد أبرز معالم هذه النسخة يتمثل في ارتفاع منسوب “النخبوية” في الأدوار المتقدمة. فخلافًا لنسخ سابقة شهدت تسلل مفاجآت إلى ربع النهائي، تكرّس هذه البطولة منطق التاريخ والتجربة. حتى مالي، الاستثناء الوحيد دون لقب سابق، تبدو حالة خاصة؛ منتخب لم يحقق أي فوز في النسخة الحالية، لكنه يواصل التقدم بثبات، مستفيدًا من توازن تكتيكي وقدرة على الصمود.
أرقام ودلالات
فنيًا، سجلت البطولة حتى الآن 109 أهداف في 44 مباراة، بمعدل يقترب من 2.5 هدف في اللقاء الواحد، ما يعكس نزعة هجومية واضحة. ويتصدر المغربي براهيم دياز قائمة الهدافين، في مؤشر إضافي على الحضور القوي للمنتخب المستضيف، بينما تتربع نيجيريا على صدارة المنتخبات تهديفيًا، في ترجمة مباشرة لنهجها الهجومي الصريح.
جماهيريًا، اقترب عدد الحضور من مليون متفرج، وهو رقم يعكس نجاح المغرب تنظيميًا، ويمنح البطولة زخمًا إضافيًا، خصوصًا مع دخولها مراحلها الأكثر حساسية.
ما بعد ربع النهائي
ربع النهائي في النسخة الـ35 ليس مجرد محطة عبور نحو نصف النهائي، بل لحظة فاصلة ستحدد ملامح البطولة. فإما أن يفرض التاريخ كلمته، أو تكتب نسخة المغرب فصلًا جديدًا في كتاب المفاجآت المؤجلة. وفي كل الأحوال، يبدو أن كأس أمم أفريقيا دخلت الآن مرحلتها الحقيقية: مرحلة لا تعترف إلا بالجاهزية الكاملة، ذهنيًا وتكتيكيًا، حيث لا مكان للأخطاء، ولا وقت للتدارك.