في البطولات الكبرى، لا يحتاج بعض المشجّعين إلى تسعين دقيقة لترك بصمتهم. أحياناً، تكفيهم دقيقة واحدة، وهاتف مرفوع، وسلوك لا علاقة له بالرياضة. هكذا، وبكل بساطة، تحوّل ملعب مولاي الحسن بالرباط من فضاء كروي منظم إلى مسرح لفعل عبثي اختار صاحبه أن يخلّده بفيديو، وكأن التبول خارج المرافق الصحية إنجاز يستحق التوثيق والنشر.
الواقعة معروفة الآن: مشجع جزائري يوثق بنفسه فعلاً مشيناً داخل ملعب تتوفر فيه كل الشروط الصحية والتنظيمية، ثم يضيف إليه “تحليلاً” صوتياً مليئاً بالسب والقذف في حق مغاربة استنكروا سلوكه. لم يكن المشهد بحاجة إلى شرح طويل، فالرسالة كانت واضحة: هنا لم نأتِ لنشجع، بل لنستفز، ولم نأتِ لنمثل كرة القدم، بل لتمثيل صورة لا تليق إلا بمن قرر أن يسيء لوطنه قبل غيره.
السلطات الأمنية المغربية، التي اختارت منذ انطلاق المنافسات سياسة الحزم الهادئ، تعاملت مع الحادث بما يفرضه القانون، لا بما تمليه الانفعالات. أُلقي القبض على المعني بالأمر، لا لأنه جزائري، بل لأنه خالف أبسط قواعد السلوك داخل فضاء عام. وهذا تفصيل جوهري يغيب عمداً عن خطابات التهويل: في المغرب، القانون لا يسأل عن القميص، بل عن الفعل.
السخرية في القصة ليست في الاعتقال، بل في الدافع. فالمشجع الذي جاء ليُظهر “تفوقاً” ما، انتهى به الأمر يقدم درساً عملياً في كيف يمكن لتصرف فردي تافه أن يتحول إلى عبء رمزي على بلد كامل. لم يسأل أحد عن اسمه، ولا عن حيه، ولا عن تاريخه الشخصي. ما رآه الجميع هو قميص جزائري، وما سُجّل في الذاكرة هو سلوك يُختصر في جملة واحدة: هكذا لا يتصرف من يحترم نفسه، ولا من يحترم بلده.
ثم تأتي المرحلة الثانية من العبث: تحويل الانتقاد الطبيعي إلى “مؤامرة”، والرفض المجتمعي إلى “عداء”. فبدلاً من الاعتذار أو الصمت، اختار المعني بالأمر الهجوم اللفظي، وكأن المشكلة ليست في الفعل، بل في من استنكره. هنا، يغادر السلوك خانة الخطأ الفردي، ويدخل منطقة الإضرار المتعمد بالصورة العامة، لأن الشتيمة، حين تصدر ممن يرتدي قميصاً وطنياً، لا تبقى شخصية، بل تصبح تمثيلاً.
المفارقة المؤلمة أن هذا النوع من التصرفات لا يسيء إلى المغرب، ولا إلى جماهيره، ولا إلى تنظيمه. كل ذلك بقي ثابتاً، هادئاً، ومسنوداً بالقانون. الضرر الحقيقي يقع في مكان آخر: في صورة الجزائر التي تُختزل ظلماً في مشهد لا يعكس شعبها ولا تاريخها، ولكن يفرض نفسه على الرأي العام بفعل الانتشار الرقمي وسرعة التداول.
كرة القدم، في جوهرها، لعبة جماعية، لكنها في تمثيلها الرمزي مسؤولية فردية. الفرد الذي يقرر أن يكون “استثناءً” بالسوء، يتحول تلقائياً إلى عنوان، حتى لو لم يطلب أحد ذلك. وهنا تكمن خطورة المدرجات: هي ليست مساحة للانفلات، بل مرآة مكبّرة للأخلاق.
في النهاية، لم تسجّل الواقعة هدفاً، ولم تغيّر نتيجة، لكنها أضافت سطراً غير مشرف في دفتر المنافسة. درسها بسيط وواضح: من يدخل الملعب بلا احترام، يخرج منه بلا تعاطف. ومن يسيء وهو يرتدي قميص بلده، لا يهاجم الآخرين، بل يوجّه الإساءة مباشرة إلى العلم الذي ظنّ، خطأً، أنه يحتمي به.