ربع نهائي الكان بالمغرب: ساعة الحقيقة لأسود الأطلس واختبار التوازن في صدام الكبار
بوشعيب البازي
بروكسل – تتجه أنظار عشاق كرة القدم الإفريقية، يوم الجمعة، إلى العاصمة المغربية الرباط، حيث يحتضن ملعب الأمير مولاي عبد الله واحدة من أكثر مباريات ربع نهائي كأس أمم إفريقيا 2025 ترقّبًا، حين يواجه المنتخب المغربي نظيره الكاميروني، في لقاء لا يُختزل في بعده الرياضي فقط، بل يمتد إلى رهانات نفسية وتاريخية وفنية معقدة. وفي مدينة طنجة، يُقص منتخبا السنغال ومالي شريط الدور ذاته في مواجهة تبدو على الورق متكافئة في الطموح، لكنها غير متساوية في الخبرة والجاهزية.
الركراكي أمام امتحان المصير
بالنسبة للمنتخب المغربي، فإن مواجهة الكاميرون تمثل أكثر من مجرد مباراة عبور إلى نصف النهائي. إنها لحظة محاسبة حقيقية للمدرب وليد الركراكي، الذي يقود منتخبًا يلعب على أرضه وأمام جماهيره، ويحلم بالتتويج القاري للمرة الثانية في تاريخه، والأولى منذ نصف قرن.
ورغم هذا الامتياز، لم يكن مشوار “أسود الأطلس” في البطولة مقنعًا من حيث الأداء. فوز باهت على جزر القمر (2-0)، وتعادل مخيب أمام مالي (1-1) قوبل بصافرات استهجان غير معتادة في المدرجات، قبل أن يستعيد المنتخب بعض الثقة بانتصار واضح على زامبيا بثلاثية نظيفة. غير أن هذه الثقة سرعان ما اهتزت مجددًا بعد معاناة كبيرة في ثمن النهائي أمام منتخب تنزانيا، الذي لم يسبق له تحقيق أي فوز في تاريخ مشاركاته بالبطولة.
هذه التذبذبات جعلت مصير الركراكي، رغم رصيده المعنوي الكبير بعد إنجاز مونديال قطر 2022، مرتبطًا بشكل مباشر بنتيجة هذه النسخة، وبقدرته على تحويل “منتخب النجوم” إلى منتخب ألقاب.
بين الأداء والنتيجة: فلسفة الركراكي الدفاعية
يدافع الركراكي عن خياراته بواقعية واضحة، مؤكدًا أن “النتيجة أهم من الأداء”، مستحضرًا نماذج تاريخية لمنتخبات تُوجت رغم معاناة واضحة في الأدوار الأولى. ويرى أن المغرب بات اليوم قادرًا على الفوز حتى في المباريات التي كان يخسرها سابقًا بأخطاء صغيرة أو ضغط نفسي.
لكن هذه المقاربة، رغم مشروعيتها في البطولات الكبرى، تصطدم بتوقعات جمهور يرى في جيل يضم أسماء مثل أشرف حكيمي، حكيم زياش، وسفيان أمرابط، منتخبًا مطالبًا بالإقناع بقدر ما هو مطالب بالفوز.
العقدة الكاميرونية: تاريخ لا يرحم
يزيد من تعقيد المهمة، أن المغرب يصطدم بمنتخب كاميروني يشكل عقدة تاريخية حقيقية في كأس أمم إفريقيا. “الأسود غير المروّضة” لم يسبق لهم الخسارة أمام المغرب في المسابقة القارية، وتركوا جرحًا لا ينسى لدى الجماهير المغربية بعد إقصاء المنتخب الوطني من نصف نهائي نسخة 1988 على الأراضي المغربية، قبل أن يتوجوا باللقب.
ورغم أن المغرب كسر هذه العقدة نسبيًا لأول مرة في تصفيات 2019 بفوز وديّ في الدار البيضاء، فإن ميزان المواجهات الإجمالي يبقى مائلًا بوضوح لصالح الكاميرون، التي فازت في 7 من أصل 12 مواجهة جمعت المنتخبين.
المنتخب الكاميروني، الذي استفاد من تغيير فني متأخر بتعيين المدرب المحلي دافيد باغو بدل البلجيكي مارك بريس، يظهر بنسخة أكثر تماسكًا وواقعية، ونجح في بلوغ ربع النهائي محققًا الهدف الذي حدده له الاتحاد الكاميروني.
في طنجة: السنغال الأقرب… لكن الحذر واجب
في المباراة الأخرى، تبدو كفة السنغال راجحة نسبيًا أمام مالي. “أسود التيرانغا”، أبطال نسخة 2021، يستعيدون قائدهم خاليدو كوليبالي، ويعتمدون على عمود فقري مجرّب يضم إدوار ميندي، إدريسا غي، وساديو ماني، إلى جانب دماء جديدة مثل الشاب إبراهيم مباي، الذي يواصل فرض نفسه كأحد اكتشافات البطولة.
ويستفيد المنتخب السنغالي من عامل الاستقرار، سواء من حيث الطاقم الفني بقيادة بابي ثياو، أو من حيث ظروف الإقامة واللعب، إذ يخوض مباراته الخامسة تواليًا في طنجة، ما يمنحه أفضلية بدنية واضحة.
في المقابل، يدخل المنتخب المالي المواجهة بثقة نابعة من صلابته الذهنية أكثر من نتائجه الرقمية. فرغم عدم تحقيقه أي فوز حتى الآن، أظهر قدرة لافتة على الصمود أمام منتخبات قوية، ونجح في إقصاء تونس بعد مباراة بطولية لعب خلالها منقوص العدد لأكثر من ساعة.
بين الطموح والواقع
يعكس ربع نهائي هذه النسخة من كأس أمم إفريقيا مفارقة واضحة: منتخبات كبيرة مرشحة تعاني في الأداء، وأخرى أقل حظوظًا تعوض نقص الجودة بالانضباط والروح القتالية. وبين هذا وذاك، يقف المغرب أمام منعطف حاسم: إما تأكيد مكانته كقوة قارية قادرة على التتويج، أو الدخول مجددًا في دوامة الأسئلة حول جدوى الاستقرار الفني وحدود الإنجاز المونديالي.
الجمعة، في الرباط وطنجة، لن تُحسم مجرد بطاقات عبور… بل ستُرسم ملامح ما تبقى من هذه الكأس.