عندما تُختَزل الشعوب في سلوكيات الأقليات: كيف تدهورت صورة الجزائريين في الخارج؟
بقلم: بوشعيب البازي
خلال السنوات الأخيرة، برزت ظاهرة مقلقة في الفضاءين الإعلامي والدبلوماسي، تتمثل في التدهور الملحوظ لصورة الجزائريين في عدد من الدول، خاصة في فرنسا، وبعض البلدان الإفريقية، ومؤخرًا في المغرب. هذه الصورة، التي تتغذى على وقائع متكررة وخطابات مشحونة، لا تعكس بالضرورة حقيقة شعبٍ بأكمله، بقدر ما تكشف عن أزمة أعمق في الخطاب والسلوك السياسي والإعلامي المرتبط بالجزائر، داخل حدودها وخارجها.
فرنسا: من الذاكرة المشتركة إلى التوتر اليومي
في فرنسا، حيث تقيم واحدة من أكبر الجاليات الجزائرية في الخارج، لم تعد العلاقة تُدار فقط بمنطق التاريخ الاستعماري والذاكرة المشتركة، بل باتت رهينة سلوكيات فردية وجماعية تُقدَّم للرأي العام الفرنسي كدليل على “صعوبة الاندماج”. أعمال شغب، استفزازات في الفضاء العام، وخطاب عدائي على وسائل التواصل الاجتماعي، كلها عناصر ساهمت في تغذية خطاب اليمين المتطرف، الذي وجد في هذه السلوكيات مادة جاهزة لتعميم الاتهام على جالية كاملة.
غير أن الإشكال لا يكمن فقط في هذه السلوكيات، بل أيضًا في غياب خطاب مسؤول من الجهات الرسمية الجزائرية، القادر على الفصل بين الدفاع عن الجالية وبين تبرير الانزلاقات، وهو ما ترك الجزائريين المعتدلين في موقع دفاعي دائم.
إفريقيا: شعور بالتعالي بدل التضامن
في عدد من الدول الإفريقية، بدأت تتشكل صورة سلبية عن الجزائريين، ليس بسبب مواقف الشعوب بقدر ما هو نتيجة خطابات وسلوكيات توحي بنوع من التعالي أو الوصاية السياسية. في فضاء إفريقي يبحث عن شراكات متوازنة واحترام متبادل، تبدو بعض التصريحات والممارسات الجزائرية وكأنها امتداد لمنطق قديم لا ينسجم مع تحولات القارة.
النتيجة كانت فتورًا في العلاقات الشعبية، وتناميًا لشعور بالتحفظ تجاه أي حضور جزائري، حتى وإن كان اقتصاديًا أو ثقافيًا.
كأس إفريقيا بالمغرب: الرياضة تكشف ما يُخفيه الخطاب
خلال تنظيم المغرب لكأس إفريقيا للأمم، برزت بوضوح إشكالية أخرى ساهمت في ترسيخ الصورة السلبية، وتتعلق بسلوك جزء من الجمهور الجزائري الذي حضر أو تابع المنافسات. بدل أن تكون الرياضة فضاءً للتنافس الشريف والاحتفال القاري، تحولت بعض المدرجات والمنصات الرقمية إلى مسرح لاستفزازات سياسية وشعارات عدائية لا تمت لكرة القدم بصلة.
هتافات مسيئة، استفزاز رمزي للمغاربة في بلد مضيف، وخلط متعمد بين الرياضة والخلافات السياسية، كلها سلوكيات وُثّقت وتداولتها وسائل إعلام إفريقية ودولية، ما أعطى الانطباع بأن المشكلة لم تعد محصورة في مستوى رسمي أو إعلامي، بل بدأت تتسلل إلى السلوك الجماهيري.
الأخطر في هذا المشهد أن هذه التصرفات أضرّت حتى بصورة الكرة الجزائرية نفسها، التي لطالما حظيت باحترام إفريقي، قبل أن تجد نفسها رهينة جمهور صاخب يختار الصدام بدل التنافس.
المغرب: من الخلاف السياسي إلى التوتر المجتمعي
تراكم هذه السلوكيات، سواء خلال التظاهرات الرياضية أو عبر الحملات الرقمية، ساهم في نقل التوتر بين الجزائر والمغرب من مستوى الخلاف السياسي إلى مستوى الاحتكاك المجتمعي. وهو تطور خطير، لأن الشعوب، بخلاف الأنظمة، تعيش على التعايش اليومي والروابط الإنسانية.
ما يُلاحظ هو أن جزءًا من الخطاب الجزائري، خاصة في الفضاء الرقمي، يتعامل مع المغرب بمنطق الاستفزاز الدائم، وكأن الإساءة للآخر تُعد انتصارًا رمزيًا، دون إدراك أن النتيجة المباشرة هي مزيد من العزلة وسوء الفهم.
بين الشعب والخطاب: ضرورة التمييز
من غير المنصف، بل من الخطير، اختزال شعب بأكمله في تصرفات فئة أو في خطاب دولة. الجزائريون، كغيرهم من الشعوب، متنوعون في مواقفهم، وثقافتهم، ومستوى وعيهم السياسي. غير أن استمرار السلوكيات غير المسؤولة، سواء في الشارع أو المدرج أو الفضاء الرقمي، وغياب نقد ذاتي صريح، يفتح الباب أمام تعميمات قاسية تتحول مع الوقت إلى صورة نمطية يصعب تصحيحها.
أزمة صورة لا أزمة شعب
ما يعيشه الجزائريون اليوم في الخارج هو في جوهره أزمة صورة، صنعتها ممارسات صبيانية معزولة، لكن جرى تضخيمها بسبب الصمت الرسمي، والتبرير الإعلامي، وغياب خطاب عقلاني يضع حدًا للانزلاقات. تصحيح هذه الصورة لا يمر عبر الإنكار أو اتهام الآخرين بـ”العداء”، بل عبر مراجعة السلوك، وضبط الخطاب، والفصل الواضح بين الوطنية والانفعال.
فالرياضة، مثل الدبلوماسية، مرآة للشعوب. وعندما تنكسر الصورة في المرآة، لا يكون الحل في كسر المرآة، بل في إصلاح ما يظهر فيها.