المغرب يكسر عقدة الكاميرون ويبلغ نصف النهائي… انتصار كروي بطعم التاريخ والرسائل القارية

بوشعيب البازي

لم يكن فوز المنتخب المغربي على نظيره الكاميروني، مساء الجمعة، مجرد عبور رياضي إلى نصف نهائي كأس الأمم الأفريقية لكرة القدم، بل جاء محمّلاً بدلالات تاريخية ورياضية عميقة، أعادت رسم موازين الذاكرة القارية وكرّست تحوّل “أسود الأطلس” إلى قوة ثابتة في الكرة الأفريقية الحديثة.

على أرضية ملعب الأمير مولاي عبد الله في الرباط، وأمام مدرجات غصّت بـ64.178 متفرجاً، حسم المنتخب المغربي المواجهة بنتيجة هدفين دون رد، مؤكداً تفوقه التكتيكي والذهني على أحد أكثر المنتخبات الأفريقية تتويجاً وهيبة. هدف أول وقّعه إبراهيم دياز في الدقيقة 26، قبل أن يعزّز إسماعيل الصيباري التقدم في الدقيقة 74، ليضعا حداً لمسار كاميروني لطالما شكّل عقدة تاريخية للمغاربة في البطولة القارية.

ردّ اعتبار تاريخي وتحول ذهني

يحمل هذا الانتصار طابع “ردّ الاعتبار” بامتياز، إذ جاء بعد 37 عاماً من إقصاء الكاميرون للمغرب من نصف نهائي نسخة 1988، وفي مواجهة تُعد الرابعة بين المنتخبين في تاريخ كأس أفريقيا. والأهم أنه يُسجَّل كأول فوز مغربي على “الأسود غير المروّضة” في النهائيات القارية، بعد مواجهات سابقة انتهت بتفوق كاميروني أو تعادل.

لكن القراءة الأعمق للمباراة تكشف أن المغرب لم ينتصر فقط على خصم عنيد، بل على عقدة ذهنية لازمته طويلاً أمام المنتخبات الكبرى في الأدوار الحاسمة. فقد بدا الفريق الوطني أكثر هدوءاً ونضجاً في إدارة الإيقاع، وأحسن استثمار فرصه دون اندفاع، مستفيداً من دعم جماهيري كثيف حوّل الملعب إلى قلعة مغلقة.

دياز… نجم اللحظة وورقة الحسم

مرة أخرى، أثبت إبراهيم دياز أنه أحد أبرز مفاتيح اللعب في المنتخب المغربي خلال هذه النسخة، رافعاً رصيده إلى خمسة أهداف ليتصدر ترتيب الهدافين. حضوره لم يكن تهديفياً فقط، بل عكس قدرة على قراءة اللعب والتمركز الذكي، كما في هدفه الذي جاء بعد متابعة ناجحة لرأسية أيوب الكعبي.

في المقابل، قدّم المنتخب المغربي مباراة متوازنة دفاعياً، حيث لم يُمنح المنتخب الكاميروني أي فرصة حقيقية لتهديد مرمى الحارس ياسين بونو، في صورة تلخص الفارق بين فريق منظم يعرف ماذا يريد، وآخر بدا عاجزاً عن اختراق الكتلة الدفاعية أو فرض إيقاعه البدني المعتاد.

نصف نهائي بطموحات مفتوحة

بهذا الفوز، يضرب المغرب موعداً في نصف النهائي، الأربعاء المقبل على الملعب ذاته، مع الفائز من مواجهة الجزائر ونيجيريا، في مباراة تُرتقب باعتبارها اختباراً حقيقياً لطموحات “أسود الأطلس” في التتويج بلقبهم الثاني بعد إنجاز 1976، الذي تحقق آنذاك بنظام المجموعات.

ويُعد هذا التأهل هو الثاني للمغرب إلى نصف النهائي في تاريخ مشاركاته الحديثة، بعد نسخة 2004 التي بلغ فيها النهائي قبل أن يخسره أمام تونس. غير أن السياق الحالي يبدو مختلفاً، سواء من حيث النضج التكتيكي، أو عمق التشكيلة، أو الثقة المتراكمة بعد إنجازات السنوات الأخيرة قارياً وعالمياً.

السنغال… المرشح الثابت

في الضفة الأخرى من البطولة، كانت السنغال أول المنتخبات التي حجزت بطاقة العبور إلى نصف النهائي، بعد فوزها على مالي بهدف دون رد. “أسود التيرانغا”، أحد أبرز المرشحين للقب، أكدوا مرة أخرى صلابتهم، مستعيدين توازنهم الدفاعي بقيادة خاليدو كوليبالي، وبحضور أسماء مخضرمة مثل إدوار ميندي، إدريسا غي وساديو ماني.

وتنتظر السنغال في المربع الذهبي الفائز من مواجهة مصر وساحل العاج، في نصف نهائي يُنذر بصراع ثقيل بين مدارس كروية مختلفة.

بطولة تتجه نحو الحسم

مع وصول البطولة إلى محطتها قبل الأخيرة، تتضح ملامح صراع لا يعترف بالأسماء فقط، بل بالجاهزية الذهنية والقدرة على إدارة التفاصيل. والمغرب، بانتصاره على الكاميرون، وجّه رسالة واضحة مفادها أن طموحه هذه المرة لا يقتصر على المنافسة، بل يمتد إلى معانقة اللقب، على أرضه وأمام جماهيره، وفي لحظة كروية تبدو الأكثر نضجاً في تاريخه الحديث.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com