المغرب في قلب الحسابات الأوروبية: لماذا تراهن إسبانيا والاتحاد الأوروبي على شراكة إستراتيجية مستقرة جنوب المتوسط؟
بوشعيب البازي
القنيطرة: في لحظة دولية تتسم باضطراب غير مسبوق في موازين القوة والتحالفات، يعود المغرب ليحتل موقعا محوريا في الرؤية الإستراتيجية للاتحاد الأوروبي، ليس بوصفه جارًا جغرافيًا فحسب، بل شريكًا أساسيا في معادلات الاستقرار والأمن والتنمية. هذا ما عكسته بوضوح تصريحات رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، التي لم تأتِ كخطاب دبلوماسي عابر، بل كترجمة سياسية لخيار إستراتيجي طويل المدى تعتمده مدريد وبروكسيل على حد سواء.
سانشيز، خلال افتتاح مؤتمر السفراء الإسبان بمدريد، أكد أن المغرب يشكل “شريكا إستراتيجيا محوريا” للاتحاد الأوروبي، داعيا إلى تعزيز الشراكات مع دول الجوار الجنوبي لبناء فضاء إقليمي يسوده الاستقرار والازدهار المشترك. وهي رسالة تحمل في طياتها إدراكا أوروبيا متزايدا بأن أمن القارة لم يعد يُصنع فقط داخل حدودها، بل يبدأ من الضفة الجنوبية للمتوسط.
من إدارة الأزمات إلى بناء الشراكات
التحول اللافت في الخطاب الإسباني يتمثل في الانتقال من منطق “إدارة الأزمات” مع المغرب، الذي طبع مراحل سابقة من العلاقات الثنائية، إلى منطق “بناء الشراكة الإستراتيجية”. فالتأكيد على أفق 2026 كموعد لترسيخ هذه الأولوية يعكس رؤية مؤسساتية تتجاوز تقلبات الحكومات وتستند إلى مصالح متشابكة، لا إلى حسابات ظرفية.
وفي هذا السياق، يرى رئيس المركز المغاربي للأبحاث والدراسات الإستراتيجية، نبيل الأندوسي، أن تصريحات سانشيز “تشكل تأكيدا واضحا للخريطة الجديدة للعلاقات بين البلدين”، وتمنح زخما جديدا للتعاون الأمني والسياسي والاقتصادي، وتعكس دخول الرباط ومدريد مرحلة جديدة قوامها الثقة والاستثمار المشترك في الاستقرار.
هذا التوصيف يكتسي أهمية خاصة، لأنه ينسجم مع واقع العلاقات الثنائية التي توصف اليوم، من الطرفين، بأنها تعيش أفضل فتراتها منذ عقود، في ظل مقاربة هادئة لتدبير الملفات العالقة، بعيدا عن منطق التصعيد أو الإملاءات الأحادية.
المغرب: شريك لا غنى عنه في معادلات الأمن والهجرة
الرهان الأوروبي على المغرب لا ينفصل عن الأدوار العملية التي يضطلع بها ميدانيا، خاصة في ملفات حساسة مثل مكافحة الإرهاب، وتدبير الهجرة غير النظامية، ومحاربة الجريمة المنظمة. وهي مجالات لم تعد تحتمل التجريب أو الشعارات، بل تتطلب شركاء موثوقين يمتلكون الخبرة والقدرة على الفعل.
في هذا الإطار، لا يمكن فصل الخطاب السياسي عن الدينامية الأمنية المتواصلة، كما تجسدها اللقاءات رفيعة المستوى التي احتضنتها الرباط مطلع يناير الجاري، بين المدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني، عبد اللطيف حموشي، ونظرائه من إسبانيا وألمانيا. هذه المشاورات الثلاثية تعكس مستوى متقدما من التنسيق العملياتي، خاصة في قضايا الإرهاب والهجرة والجرائم السيبرانية والأمن الرياضي.
وليس صدفة أن يشيد مسؤولون أمنيون إسبان، من بينهم مدير مركز مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، بجودة وفعالية التعاون مع الأجهزة المغربية، واصفين إياه بـ”الوثيق والمستمر والفعّال جدا” على المستوى العملياتي. وهو توصيف نادر في الخطاب الأمني، ويعكس درجة عالية من الثقة المتبادلة.
الاقتصاد والطاقة… شراكة تتجاوز الأمن
إلى جانب البعد الأمني، تكتسب الشراكة المغربية–الإسبانية بعدا اقتصاديا متناميا، يجعل من المغرب الشريك التجاري الأول لإسبانيا خارج الاتحاد الأوروبي، بل وفي مقدمة شركائها على الإطلاق. فالتكامل الاقتصادي، والاستثمارات المتبادلة، والتعاون في مجالات الطاقة والانتقال الطاقي، باتت تشكل ركائز أساسية في هذه العلاقة.
وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس أكد أمام البرلمان أن العلاقات الثنائية تمر “بأفضل لحظة في تاريخها”، وهو توصيف يتقاطع مع ما عبّر عنه وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، الذي وصف مستوى التعاون بـ”غير المسبوق”، معتبرا أن إسبانيا تمثل الشريك الاقتصادي الأول للمغرب، وأن التعاون الأمني بين البلدين أصبح نموذجا يُحتذى به.
رسالة 2022… نقطة التحول الصامتة
لا يمكن قراءة هذا المسار التصاعدي دون العودة إلى محطة 18 مارس 2022، حين وجه بيدرو سانشيز رسالة إلى الملك محمد السادس، أعلن فيها التزام إسبانيا ببناء علاقة جديدة مع المغرب قائمة على الثقة والشفافية والاحترام المتبادل، والامتناع عن أي عمل أحادي الجانب. تلك الرسالة لم تكن مجرد تصحيح مسار دبلوماسي، بل شكلت تحولا عميقا في فلسفة التعاطي الإسباني مع شريك استراتيجي في جنوب المتوسط.
ومنذ ذلك التاريخ، بدا واضحا أن العلاقات الثنائية لم تعد رهينة الأزمات، بل محكومة بمنطق استشرافي يدرك أن استقرار المغرب هو جزء لا يتجزأ من استقرار إسبانيا وأوروبا.
المغرب… ركيزة الاستقرار في زمن التحولات
في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة، من الحرب في أوكرانيا إلى أزمات الطاقة والهجرة، يبدو المغرب بالنسبة لإسبانيا والاتحاد الأوروبي ركيزة استقرار نادرة في محيط مضطرب. دولة تملك رؤية واضحة، ومؤسسات أمنية فعالة، واقتصادا منفتحا على الشراكات، وسياسة خارجية قائمة على التوازن والبراغماتية.
من هذا المنظور، فإن توصيف المغرب كشريك إستراتيجي محوري لم يعد مجرد خطاب دبلوماسي، بل أصبح معطى سياسيا وأمنيا واقتصاديا، تفرضه الوقائع أكثر مما تصنعه النوايا. وفي عالم يبحث عن اليقين وسط الفوضى، يبدو أن أوروبا وجدت في الرباط شريكا يمكن الرهان عليه.