في خطوة سياسية لافتة تحمل دلالات تنظيمية وسياسية عميقة، أعلن رئيس الحكومة المغربية عزيز أخنوش قراره عدم الترشح في الاستحقاقات التشريعية المقبلة، وعدم الاستمرار على رأس حزب التجمع الوطني للأحرار، واضعًا بذلك حدًا لمرحلة امتدت منذ سنة 2016، ارتبط فيها الحزب بشكل وثيق بشخصية قائد واحد لعب دور القاطرة الانتخابية والتنظيمية.
القرار، الذي أعلنه أخنوش مساء الأحد خلال لقاء تواصلي مع مدراء نشر عدد من المنابر الإعلامية بالرباط، جاء في وقت حساس سياسيًا وتنظيميًا، ما يمنحه بعدًا يتجاوز الطابع الشخصي، ليطرح أسئلة حول مستقبل الحزب، وقدرته على إدارة مرحلة ما بعد الزعامة، دون ارتباك داخلي أو فقدان للتموقع السياسي.
فتح باب الخلافة واستعداد لمؤتمر استثنائي
وبالتزامن مع إعلان أخنوش، عقد المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار اجتماعًا مساء الأحد، تقرر خلاله فتح باب الترشح لخلافة الأمين العام المنتهية ولايته لمدة عشرة أيام، استعدادًا لعقد مؤتمر استثنائي يوم 7 فبراير المقبل بمدينة الجديدة.
ونوه المكتب السياسي بما أظهره الحزب من التزام وانضباط في احترام استحقاقاته التنظيمية ومواعيده القانونية، في رسالة تهدف إلى طمأنة القواعد الحزبية والرأي العام بشأن استمرارية الحزب واستقراره الداخلي.
وأكد أخنوش، خلال اللقاء، أن قناعته كانت دائمًا ضد “الترشح المفتوح”، معتبرًا أن حصر مدة انتداب رئيس الحزب في ولايتين فقط يُعد ضمانة لتجديد النخب، وهو ما ينسجم مع الفصل 34 من النظام الأساسي للحزب. واعتبر أنه سيترك الحزب في “وضعية جيدة”، بعد أن ساهم في إحداث تحول تنظيمي وهيكلي شمل الجهات الاثنتي عشرة للمملكة، وتحديث المقرات والمؤسسات الحزبية، وإنجاح برامج تنظيمية وتواصلية كبرى، من بينها “مسارات المدن” و“برنامج الثقة”، في انتظار إطلاق “مسار الإنجاز”.
نقاش داخلي حاد… وحسم سياسي
وكشف أخنوش أن أعضاء المكتب السياسي تمسكوا باستمراره على رأس الحزب، غير أنه تمكن، بعد نقاش داخلي وصفه بـ”الحاد”، من إقناعهم بأن الحزب “ليس إرثًا شخصيًا”، وأن الوقت قد حان لتجديد القيادة، مضيفًا: “أنا مهني، وعملت ما جئت لأجله”.
قراءة تحليلية: لحظة مفصلية داخل الحزب
وفي قراءة تحليلية للقرار، اعتبر هشام لفقيه، الباحث في القانون العام والعلوم السياسية، أن انسحاب أخنوش من الترشح لولاية جديدة على رأس الحزب يمثل “لحظة مفصلية” في تاريخ التجمع الوطني للأحرار، بالنظر إلى مركزية القيادة داخل الحزب منذ 2016.
وأوضح لفقيه، في تصريح صحفي، أن أخنوش لم يكن مجرد أمين عام، بل شكّل عمليًا قاطرة انتخابية وتنظيمية للحزب، ما خلق نوعًا من الارتباط بين صورة الحزب وصورته الشخصية.
وأضاف أن الانتقال التنظيمي في هذه الحالة قد يطرح تحديات حقيقية، تتعلق بقدرة القيادة الجديدة على الحفاظ على وحدة الصف الداخلي، وضمان نفس القدرة التعبوية، وإعادة صياغة خطاب سياسي يوازن بين الاستمرارية والتجديد. لكنه شدد في المقابل على أن المؤتمر الاستثنائي قد يشكل فرصة لإعادة التموضع، وتجديد النخبة القيادية، شريطة اختيار قيادة تتمتع بمشروعية داخلية قوية، لا مجرد قيادة تقنية أو توافقية.
الفصل بين الحزب والحكومة
وعلى مستوى المشهد السياسي العام، يرى لفقيه أن استمرار الحزب في دعم عزيز أخنوش رئيسًا للحكومة إلى نهاية الولاية يعكس حرص القيادة الحزبية على الفصل بين الوظيفة الحكومية والوظيفة الحزبية، بما يضمن الاستقرار الحكومي ويجنب البلاد أي ارتباك سياسي كان من الممكن أن ينتج عن انسحاب مفاجئ لزعيم الحزب من المشهد.
التزام باستكمال الولاية الحكومية
وفي السياق ذاته، أكد حزب التجمع الوطني للأحرار عزمه مواصلة مساندة عزيز أخنوش رئيسًا للحكومة، ودعم الأغلبية الحكومية عبر فريقيه البرلمانيين ومختلف هياكله، لتمكين الحكومة من الوفاء بالتزاماتها التعاقدية واستكمال تنزيل برامجها إلى غاية انتهاء ولايتها الدستورية.
واعتبر الحزب أن هذه المكتسبات تشكل ثمرة مباشرة للاختيارات الإصلاحية الكبرى التي انخرطت فيها الحكومة، وفي مقدمتها تعميم الحماية الاجتماعية، ودعم الاستثمار، وتعزيز التماسك الاجتماعي.
رهان ما بعد أخنوش
وأشار المكتب السياسي إلى العرض الذي قدمه مصطفى بايتاس، الناطق الرسمي باسم الحكومة وعضو المكتب السياسي للحزب، والذي استعرض خلاصات الجولات التواصلية الاثنتي عشرة لـ“مسار الإنجازات”، التي شارك فيها أزيد من 38 ألف منتخب ومناضل ومواطن، إضافة إلى خلاصات لقاءات “نقاش الأحرار” المنظمة في 77 جماعة عبر مختلف جهات المملكة.
وبينما يستعد الحزب لمحطته التنظيمية الحاسمة، يبقى الرهان الأساسي هو نجاح الانتقال من حزب بُني حول زعامة قوية، إلى تنظيم قادر على الاستمرار والتجدد دون الارتكاز على شخص واحد، في اختبار حقيقي لنضج التجربة الحزبية داخل الأغلبية الحكومية.