حين يتحوّل الحدث الرياضي إلى مؤشر سياسي: قراءة تحليلية في ما بعد نهائي كأس إفريقيا

بوشعيب البازي

كشفت الأحداث التي أعقبت نهائي كأس إفريقيا للأمم 2026 أن كرة القدم، في لحظات معينة، تتجاوز كونها منافسة رياضية لتتحول إلى مرآة تعكس اختلالات أعمق في البنية النفسية والسياسية لبعض المجتمعات. فالمثير للانتباه في هذه المحطة لم يكن فقط نتيجة المباراة، ولا الجدل التحكيمي المصاحب لها، بل طبيعة التفاعلات التي ظهرت خارج سياق اللقاء، وخاصة في دولة لم تكن طرفًا في النهائي.

في التحليل السياسي والاجتماعي، يُنظر إلى الرياضة باعتبارها فضاءً رمزيًا تتقاطع فيه مشاعر الانتماء، والهوية، والإحباطات الجماعية. وما حدث عقب نهائي البطولة يندرج ضمن هذا الإطار؛ إذ سُجلت مظاهر احتفال جماعي لم تُبنَ على فوز منتخب معيّن، بل على خسارة منتخب آخر. وهو سلوك نادر في التاريخ الرياضي، ويدعو إلى طرح أسئلة تتجاوز كرة القدم نحو بنية الوعي الجمعي والخطاب السائد.

من التنافس الرياضي إلى الإسقاط النفسي

من منظور أكاديمي، لا يمكن اختزال هذه الظاهرة في إطار “الغيرة الرياضية” أو التنافس التقليدي بين المنتخبات. فالتعبير عن الفرح بهزيمة طرف ثالث يشير إلى ما يُعرف في علم الاجتماع السياسي بـ”الهوية السلبية”، حيث يُعرّف الفاعل نفسه ليس عبر إنجازاته، بل عبر نفي الآخر أو التشفي في تعثره.

من المهم التأكيد هنا على رفض أي تعميم أو نزعة جوهرانية؛ فالمجتمعات لا تُختزل في سلوكيات لحظية أو في فئات بعينها. غير أن تكرار هذه المظاهر واتساع نطاقها، داخل الوطن وفي أوساط الجاليات بالخارج، يفرض التساؤل حول البيئة الخطابية والسياسية التي سمحت بتحول الخسارة الرياضية للجار إلى مادة للابتهاج الجماعي.

خطاب التعبئة وصناعة الخصم

تُظهر التجارب المقارنة أن الأنظمة السياسية التي تعاني من أزمات شرعية أو اختناقات اقتصادية تميل إلى توظيف الخطاب العدائي تجاه “الآخر الخارجي” كآلية لتصريف الغضب الاجتماعي. في هذه الحالة، يصبح الخصم الرمزي أداة لإعادة توجيه الإحباط الشعبي بعيدًا عن الأسئلة الداخلية المرتبطة بالحكم والتنمية والعدالة الاجتماعية.

في السياق المغاربي، ساهمت عقود من الخطاب الرسمي المتوتر في تحويل الخلافات السياسية إلى مشاعر عداء متجذرة، تتغذى باستمرار عبر الإعلام والتعليم والتعبئة الرمزية. ومع مرور الزمن، لم يعد الخلاف يُدار باعتباره نزاعًا دبلوماسيًا قابلاً للحل، بل تحوّل إلى عنصر بنيوي في تشكيل الوعي الجمعي.

تآكل الحلم المغاربي

أخطر ما تكشفه هذه الظواهر هو التآكل الصامت لفكرة الوحدة المغاربية. فبدل أن تكون الرياضة مساحة للتقارب والتنافس الشريف، تحولت إلى ساحة لتكريس القطيعة النفسية. ومع كل حلقة جديدة من هذا النوع، تتراجع فرص بناء فضاء مغاربي متكامل، قائم على المصالح المشتركة والتاريخ المشترك.

الأكثر إثارة للقلق أن هذا المناخ العدائي قد يُستثمر سياسيًا في المستقبل، ليس فقط لتبرير الجمود، بل لإطالة عمر أزمات داخلية عبر خلق توترات خارجية مصطنعة. والتاريخ الحديث حافل بأمثلة عن أن تصدير الأزمات غالبًا ما يسبق مراحل أكثر حدة من الانغلاق والتوتر.

مقارنة في السلوك المجتمعي

في المقابل، يلفت الانتباه التباين الواضح في ردود الفعل داخل المجتمع المغربي بعد الإقصاء. فرغم خيبة الأمل المشروعة، ساد الانضباط والهدوء واحترام قواعد السلوك العام، سواء داخل الملاعب أو خارجها. هذا السلوك لا يحمل دلالة أخلاقية فحسب، بل يعكس أيضًا تصورًا مختلفًا لمعنى المنافسة والهزيمة، حيث لا تتحول الخسارة إلى أزمة هوية.

لم يكن نهائي كأس إفريقيا 2026 مجرد حدث رياضي عابر، بل لحظة كاشفة عن تصدعات أعمق في الفضاء المغاربي. فالانتصار الحقيقي في الرياضة لا يُقاس فقط بالألقاب، بل بقدرة المجتمعات على تقبّل الخسارة دون تحويلها إلى وقود للكراهية.

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه المنطقة ليس خسارة مباراة، بل ترسّخ منطق العداء كبديل عن العقلانية السياسية. وحين تنتصر الكراهية على الرياضة، فإن الخاسر الحقيقي لا يكون فريقًا بعينه، بل مستقبل التعايش والاستقرار الإقليمي بأكمله.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com