تؤكد التطورات الأخيرة في العلاقات المغربية–السنغالية أن هذا الارتباط الثنائي لم يعد يندرج ضمن منطق التعاون التقليدي بين دولتين إفريقيتين، بل بات يُصنَّف ضمن الشراكات الإستراتيجية العميقة، المؤسسة على رؤية سياسية متقاسمة، ومرتكزة على تقاطع المصالح والاستقرار والتكامل الإقليمي. فقد أعاد بلاغ رئاسة الحكومة المغربية تسليط الضوء على الطابع الاستثنائي لهذه العلاقات، التي يقودها العاهل المغربي الملك محمد السادس ورئيس جمهورية السنغال باسيرو ديوماي فاي، في انسجام سياسي ومؤسساتي واضح.
ويأتي الاتصال الهاتفي الذي جمع رئيس الحكومة المغربية عزيز أخنوش بنظيره السنغالي أوسمان سونكو، مساء الأربعاء، في سياق يعكس حيوية القنوات الدبلوماسية بين البلدين، حيث تم الاتفاق على عقد الدورة الخامسة عشرة للجنة العليا المختلطة للشراكة المغربية–السنغالية، يومي 26 و27 يناير الجاري بالرباط، إلى جانب تنظيم المنتدى الاقتصادي المغربي–السنغالي. ويُنظر إلى هذا الموعد باعتباره آلية مركزية لإعادة ضخ دينامية جديدة في التعاون الثنائي، من خلال الانتقال من منطق تدبير الظرفيات إلى منطق التخطيط الإستراتيجي المشترك.
وتستند العلاقات بين الرباط وداكار إلى ركيزة تاريخية متعددة الأبعاد، تتقاطع فيها السياسة بالدين، والاقتصاد بالثقافة، والدبلوماسية بالبعد الإنساني. وقد حظيت هذه الشراكة، منذ اعتلاء الملك محمد السادس العرش، برعاية خاصة، تجسدت في ثماني زيارات ملكية رسمية إلى السنغال، وهو رقم غير مسبوق في العلاقات المغربية مع بلد إفريقي خلال العقدين الأخيرين. ولم تكن هذه الزيارات ذات طابع بروتوكولي فحسب، بل أسست لتحالف سياسي واضح، تُوّج بدعم داكار الصريح لمغربية الصحراء ولمبادرة الحكم الذاتي، باعتبارها الحل الوحيد الجدي وذي المصداقية، وهو ما تُرجم عملياً بافتتاح القنصلية العامة للسنغال بمدينة الداخلة في أبريل 2021.
وفي قراءة تحليلية لهذا المسار، يرى نبيل الأندلوسي، رئيس المركز المغاربي للأبحاث والدراسات الإستراتيجية، أن الاتصال بين رئيسي حكومتي البلدين يندرج ضمن ما يُعرف بالدبلوماسية الوقائية، التي تهدف إلى احتواء التوترات الرمزية قبل تحوّلها إلى مواقف سياسية. ويؤكد أن هذه الخطوة تعكس انسجاماً مؤسساتياً بين المستوى السيادي والمستوى التنفيذي في تدبير العلاقات الخارجية للمملكة، كما تبرز قدرة المغرب على تحويل التحديات الظرفية، بما فيها تلك ذات الطابع الرياضي أو الإعلامي، إلى فرص لتعميق الشراكات.
ويضيف الأندلوسي أن تفعيل اللجنة العليا المختلطة وتنظيم المنتدى الاقتصادي المشترك يشكلان انتقالاً ذكياً من منطق الاحتواء إلى منطق البناء، حيث لم يكتف المغرب بتدبير اللحظة، بل بادر إلى تحصين العلاقة عبر مشاريع ومصالح اقتصادية ملموسة، بما يعزز مناعتها ويضمن استدامتها.
ومن جهتها، شددت وزارة الاندماج الإفريقي والشؤون الخارجية والسنغاليين في الخارج على متانة العلاقات الثنائية القائمة على الصداقة والاحترام المتبادل، مؤكدة أنها علاقات تأسست على رؤية مشتركة للتحديات الإفريقية والدولية. كما نوهت بالتعاون النموذجي الذي أبدته المملكة المغربية منذ انطلاق بطولة كأس أمم إفريقيا، معربة عن ارتياح السلطات السنغالية لاستمرار هذه الروح الأخوية، ومقدمة شكرها للحكومة المغربية على حسن الاستقبال وجودة التنظيم.
وتتجلى المكانة الخاصة التي تحظى بها السنغال في السياسة الإفريقية للمغرب في القرار الاستثنائي الذي اتخذه الملك محمد السادس سنة 2016، حين اختار العاصمة داكار لإلقاء خطاب المسيرة الخضراء في ذكراها الحادية والأربعين، في سابقة هي الأولى من نوعها، حيث أُلقي خطاب وطني رسمي من خارج التراب المغربي. وقد عكس هذا الحدث الرمزي مستوى الثقة السياسية وعمق الروابط الإستراتيجية بين البلدين.
وعلى مستوى التعاون القطاعي، تندرج المباحثات التي أجرتها وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة ليلى بنعلي مع نظيرها السنغالي، وزير البيئة والانتقال الإيكولوجي الحاج عبد الرحمن ضيوف، ضمن الاستعدادات الجارية للجنة المشتركة الكبرى، حيث جرى التأكيد على أهمية تطوير التعاون في مجالات البيئة والتنمية المستدامة، وتبادل الخبرات في مواجهة التحديات المناخية، وحماية التنوع البيولوجي، وإدارة الموارد الطبيعية، في سياق قاري يزداد هشاشة أمام التحولات المناخية.
أما المؤشرات الاقتصادية، فتؤكد بدورها متانة هذه الشراكة، إذ تضاعف حجم المبادلات التجارية بين البلدين خلال العقدين الأخيرين ليبلغ نحو 370 مليون دولار سنة 2024، مقابل 98.5 مليون دولار فقط سنة 2010، ما جعل من السنغال الزبون الأول للمغرب في غرب إفريقيا، بحصة تناهز 21 في المائة من الصادرات المغربية. كما يرتبط البلدان بشبكة واسعة من الاتفاقيات التي تغطي قطاعات حيوية، على رأسها القطاع المصرفي والمالي.
ولا يقل البعد الديني أهمية عن باقي الأبعاد، إذ تشكل الطرق الصوفية أحد الأعمدة غير المعلنة لهذه الشراكة. فقد دأب المغرب، في إطار إمارة المؤمنين، على إيفاد وفود رفيعة المستوى للمشاركة في المناسبات الدينية الكبرى بالسنغال، مثل “مكال” طوبى وذكرى المولد النبوي بتيفاوان. ويحظى هذا الحضور بتقدير واسع لدى الشعب السنغالي ومشايخه، ويعكس حرص المغرب على صيانة الأمن الروحي المشترك، وترسيخ نموذج الإسلام المعتدل كرافعة للاستقرار المجتمعي.
في المحصلة، تبدو الشراكة المغربية–السنغالية نموذجاً متقدماً للتعاون الإفريقي القائم على الثقة السياسية، والتكامل الاقتصادي، والتقارب الروحي، وهي شراكة مرشحة لمزيد من التوسع، ليس فقط في خدمة مصالح البلدين، بل أيضاً كرافعة لاستقرار وتنمية غرب إفريقيا في سياق دولي وإقليمي بالغ التعقيد.