القرار الدستوري وتنظيم الصحافة: حين يُختبر منسوب المسؤولية السياسية

بوشعيب البازي

شكّل قرار المحكمة الدستورية الأخير محطة مفصلية في مسار تنظيم قطاع الصحافة والنشر بالمغرب، ليس فقط من حيث مضمونه القانوني، بل أيضًا من حيث دلالاته الدستورية والمؤسساتية. فقد أعاد هذا القرار الاعتبار لمبدأي الشرعية والمشروعية الدستورية، وكرّس من جديد ضرورة احترام القواعد المؤطرة للتنظيم الذاتي للمهن، باعتباره أحد الأعمدة الأساسية لدولة القانون والمؤسسات.

إن هذا التوجه القضائي لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق العام الذي يعرفه قطاع الصحافة، والذي يتسم بحساسية بالغة ناتجة عن تداخل القانوني بالسياسي، والمؤسساتي بالظرفي. فالقرار الدستوري، في جوهره، يبعث برسالة واضحة مفادها أن بناء مؤسسات مهنية مستقرة لا يستقيم إلا عبر احترام المساطر، وضمان الاستقلالية، والاحتكام إلى منطق الدستور بدل منطق الحسابات الضيقة.

غير أن هذا النفس الدستوري المسؤول يقابله، في المقابل، سلوك سياسي يثير الكثير من علامات الاستفهام، ويتجلى في اعتماد منهج انتقائي في اللجوء إلى المحكمة الدستورية، من خلال حصر الإحالة في القانون المنظم للمجلس الوطني للصحافة، دون غيره من النصوص القانونية ذات الأثر العميق على الحياة العامة. وهو ما يطرح إشكالًا حقيقيًا يتعلق بتكافؤ المعايير، وبمدى انسجام هذا السلوك مع مقتضيات المسؤولية السياسية كما نص عليها الدستور.

إن هذا الانتقاء لا يمكن فصله عن مناخ سياسوي أفضى، عمليًا، إلى تعطيل السير العادي لمؤسسة مهنية مركزية، وإلى إرباك الزمن التنظيمي للقطاع. وهو تعطيل لم يكن بدون كلفة، إذ انعكس بشكل مباشر على الصحافيين والمؤسسات الإعلامية، وأفرغ مبدأ التنظيم الذاتي من محتواه العملي، عبر تمديد وضعية انتقالية غير مبررة مهنيًا ولا مؤسساتيًا.

وقد ترتب عن هذا الوضع جملة من الاختلالات الملموسة، من بينها التوقف غير المفهوم في تسليم البطاقات المهنية وبطاقات القطار، وتأخر صرف أجور موظفي المجلس الوطني للصحافة لأشهر متتالية، فضلًا عن تجميد كل المسارات المرتبطة بالحوار الاجتماعي وتوقيع الاتفاقيات الجماعية الكفيلة بتحسين الأوضاع المادية للصحافيين والعاملين في المقاولات الإعلامية. وهي مظاهر لا تعكس فقط أزمة تدبير، بل أزمة تصور لدور الصحافة ومكانتها في البناء الديمقراطي.

وأمام هذه التطورات، يبرز دور الهيئات المهنية الأكثر تمثيلية باعتبارها فاعلًا مؤسسيًا يتحمل مسؤولية التقييم والتقويم والدفاع عن استقرار القطاع واستقلاليته. فالدعوة إلى اجتماع موسع لتدارس المرحلة واتخاذ القرارات المناسبة تندرج في إطار ممارسة ديمقراطية مشروعة، تهدف إلى حماية المهنة من منطق التوظيف السياسي، وضمان حقوق العاملين، وصون استمرارية المقاولات الإعلامية.

إن الرهان الجوهري اليوم لا يتعلق فقط بنص قانوني أو بقرار قضائي، بل بمكانة الصحافة ذاتها داخل النسق الدستوري. فالصحافة ليست مجالًا لتصفية الحسابات، ولا أداة للضغط أو المناورة، بل هي حق مجتمعي أصيل، وضمانة من ضمانات الشفافية والمساءلة. واحترامها هو، في العمق، احترام للدستور وللذكاء الجماعي للمجتمع.

من هذا المنطلق، تبدو الرسالة واضحة وغير قابلة للتأويل: الصحافة ليست ورقة تفاوض، وليست حقل تجارب ظرفي، وكل عبث بمؤسساتها أو بزمنها المهني هو عبث بالمسار الديمقراطي نفسه، ومسؤولية تاريخية يتحمل أصحابها تبعاتها أمام الرأي العام وأمام ذاكرة المؤسسات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com