عندما يتحوّل “السكرتير الأول” إلى بطل فيلم اختطاف رديء: القضاء الفرنسي يضع الدبلوماسية الجزائرية أمام مرآتها

بوشعيب البازي

في العلاقات الدولية، تُقاس الأزمات أحيانًا بعدد السفراء المطرودين، وأحيانًا بعدد البيانات الغاضبة. لكن نادرًا ما تُقاس بمذكرة توقيف دولية صادرة عن قاضٍ مختص في مكافحة الإرهاب، تستهدف دبلوماسيًا سابقًا يفترض أنه كان منشغلًا… بتعزيز الصداقة بين الشعوب.

هذا بالضبط ما حدث في باريس، حيث قرر القضاء الفرنسي، رفع الستار عن فصل غير مسبوق من فصول العبث الدبلوماسي، بإصداره مذكرة توقيف دولية بحق السكرتير الأول السابق في سفارة الجزائر بباريس، الرجل الثاني في البعثة، المتهم بالمشاركة في اختطاف اليوتيوبر والمعارض الجزائري أمير بوخرص، المعروف بـ“أمير دي زاد”.

القضية، كما تكشفها لوموند، لا تشبه حادثًا أمنيًا معزولًا، بل سيناريو مكتوب بعناية سيئة، حيث تتقاطع الدبلوماسية مع الاستخبارات، ويُستبدل جواز السفر الدبلوماسي بدور “منسق عمليات”.

دبلوماسي… بمهام إضافية

وفق التحقيقات الفرنسية، لم يكن منصب صلاح الدين سلوم كـ“سكرتير أول” سوى واجهة بروتوكولية أنيقة لأنشطة أقل أناقة بكثير. فالرجل، بحسب المديرية العامة للأمن الداخلي الفرنسية (DGSI)، يُشتبه في كونه ضابط صف في جهاز الأمن الخارجي الجزائري، يعمل تحت غطاء دبلوماسي كامل الدسم.

الاشتباه لم يأتِ من فراغ: تحديد المواقع الهاتفية تضعه، في أواخر مارس وبداية أبريل 2024، بالقرب من أماكن تردد المعارض الجزائري في فال دو مارن. مهام استطلاع، لا تختلف كثيرًا عن تلك التي تسبق أي “عملية”، إلا أن هذه المرة جرت على الأراضي الفرنسية، وتحت أعين دولة لا تميل عادةً إلى التساهل عندما يتعلق الأمر بسيادتها.

اختطاف… بطابع إداري

ليلة 29 أبريل 2024، يعود أمير دي زاد إلى منزله، فيستوقفه مشهد يبدو في بدايته روتينيًا: سيارة مدنية، ضوء دوّار، رجال بملابس مدنية، اثنان منهم يرتديان شارات شرطة. كل شيء يوحي بإجراء رسمي… قبل أن يتضح لاحقًا أن “الرسمي” الوحيد في القصة هو مستوى الارتجال.

أربعة رجال، سيارة رينو كليو سوداء، أصفاد، ثم رحلة ليلية نحو مستودع خرداوات في سين ومارن، حيث يُخدَّر المختطف بالمنومات، في انتظار “مسؤول جزائري” لم يظهر أبدًا. دولة تُرسل رسالة، لكنها تنسى التوقيع.

بعد 27 ساعة، يُرمى أمير دي زاد على حافة غابة، حيًّا، لكن القصة كانت قد خرجت من إطار الجريمة الجنائية لتدخل المجال الأخطر: الإرهاب المنظم العابر للحدود، وفق توصيف القضاء الفرنسي.

القضاء يتكلم… والدبلوماسية تختنق

التحقيق، الذي تسارع بشكل لافت منذ فبراير بعد تولي النيابة الوطنية لمكافحة الإرهاب (PNAT) الملف، كشف عن شبكة اتصالات كثيفة خلال ساعات الاحتجاز، تربط الدبلوماسي السابق بعدد من المنفذين، من بينهم موظف في القنصلية الجزائرية بكريتاي، سبق أن أدى اعتقاله في أبريل إلى تفجير موجة طرد متبادل للدبلوماسيين بين باريس والجزائر.

وهكذا، لم تعد القضية مجرد “سوء تفاهم أمني”، بل تحولت إلى كرة نار دبلوماسية، أُضيفت إلى ركام أزمات قائمة أصلًا: اعتراف فرنسي بسيادة المغرب على الصحراء، توقيف الكاتب بوعلام صنصال في الجزائر، وذاكرة استعمارية لا تهدأ.

أزمة ثقة… لا أزمة ملفات

مغادرة صلاح الدين سلوم فرنسا في 1 مايو 2024، في اليوم نفسه الذي أُطلق فيه سراح أمير دي زاد، تبدو اليوم أقل صدفة وأكثر سطرًا أخيرًا في فصل أول لم يُغلق بعد. فمذكرة التوقيف الدولية لا تستهدف شخصًا فقط، بل تضع مفهوم العمل الدبلوماسي الجزائري في أوروبا تحت مجهر قضائي غير مسبوق.

في باريس، الرسالة واضحة: الحصانة الدبلوماسية ليست رخصة لممارسة اختطاف سياسي بأسلوب الهواة. وفي الجزائر، الصمت أثقل من أي بيان.

بين بلدين يتحدثان باستمرار عن “التهدئة” و“إعادة بناء الثقة”، تأتي هذه القضية لتذكّر بحقيقة بسيطة وقاسية: المشكلة لم تعد في تراكم الملفات، بل في طبيعة الأدوات التي تُدار بها.

وعندما تتحول السفارات إلى مسارح جانبية لعمليات سرية فاشلة، لا يعود السؤال: من خطف من؟ بل: أي دبلوماسية هذه التي تحتاج إلى سيارة كليو سوداء لتعمل؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com