بين السردية الإعلامية والواقع الأمني: جدل الأخبار الزائفة في سياق التظاهرات الرياضية الكبرى

بوشعيب البازي

أعاد مقال نشرته الأسبوعية الفرنسية لوبوان إلى الواجهة إشكالية العلاقة المعقدة بين الإعلام الدولي والمؤسسات الأمنية الوطنية، بعدما روّج مزاعم تفيد بتعرض محلات تجارية مملوكة لمواطنين من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء لاعتداءات وحرائق إجرامية بالمغرب، على هامش المباراة النهائية لكأس إفريقيا للأمم. وهي ادعاءات سارعت المديرية العامة للأمن الوطني إلى نفيها بشكل قاطع، مؤكدة، عبر بيان رسمي، أن هذه الوقائع لم تُسجّل في أي منطقة من التراب الوطني، وأن الأمر يتعلق بأخبار زائفة تفتقر لأي أساس ميداني.

هذا التفاعل السريع من المؤسسة الأمنية لا يمكن قراءته فقط باعتباره رداً تقنياً على خبر غير دقيق، بل يندرج ضمن مقاربة أوسع تقوم على تدبير الأزمات الإعلامية في سياقات حساسة، حيث تتقاطع الرياضة، والهويات، والعلاقات العابرة للحدود. فالمباراة النهائية لكأس إفريقيا للأمم، التي حظيت بمتابعة جماهيرية واسعة داخل المغرب وخارجه، شكّلت في الواقع مناسبة للاحتفال الرياضي الجماعي، ولم تُسجّل خلالها، بحسب المعطيات الرسمية، أي مؤشرات على توترات اجتماعية أو اعتداءات ذات طابع عنصري أو ممنهج.

الرواية التي قدمها مقال لوبوان، والتي تحدثت عن استهداف مصالح اقتصادية لمهاجرين أفارقة، تفتقر ـ وفق بيان الأمن الوطني ـ إلى أي توثيق ميداني أو بلاغات رسمية أو شكايات مسجلة لدى المصالح المختصة. بل إن المديرية العامة للأمن الوطني أكدت أنها لم تتلقَّ أي طلب توضيح أو استفسار من الصحيفة قبل النشر، وهو ما يطرح إشكالاً منهجياً يتعلق بأخلاقيات العمل الصحفي، خاصة عند تناول مواضيع ذات حساسية أمنية واجتماعية.

في هذا السياق، يبرز البيان الأمني المغربي كدليل على تطور دور مؤسسات إنفاذ القانون، التي لم تعد تقتصر وظيفتها على الضبط الميداني، بل أصبحت فاعلاً تواصلياً يسعى إلى تصحيح المعطيات المتداولة في الفضاء الإعلامي والرقمي. فقد أوضحت المديرية أنها اعتمدت، طيلة فترة المنافسات، سياسة يقظة استباقية لرصد الأخبار الزائفة، والتفاعل معها عبر بلاغات رسمية تهدف إلى تقديم الوقائع بدقة وموضوعية، والحد من انتشار المعلومات المضللة.

وتكتسي هذه القضية بعداً اجتماعياً بالغ الحساسية، بالنظر إلى ما تحمله المزاعم من تداعيات محتملة على صورة العلاقات بين المغاربة والجاليات الإفريقية المقيمة بالمملكة. فالحديث عن اعتداءات ممنهجة ضد فئة بعينها، حتى وإن كان غير مؤسس، قد يسهم في خلق توترات غير مبررة، ويغذي تصورات نمطية سلبية، في وقت يسعى فيه المغرب إلى ترسيخ نموذج للتعايش والانفتاح داخل فضائه الإفريقي. من هذا المنطلق، يمكن اعتبار نفي هذه الادعاءات جزءاً من مسؤولية الدولة في حماية السلم الاجتماعي ومنع توظيف الأخبار الكاذبة في تأجيج الانقسامات.

أما على المستوى السياسي والدبلوماسي، فإن القضية لا تنفصل عن رهانات الحضور المغربي في القارة الإفريقية. فالمغرب، الذي استثمر خلال السنوات الأخيرة في تعزيز شراكاته جنوب–جنوب، يدرك أن صورته الخارجية لا تتحدد فقط عبر السياسات الرسمية، بل تتأثر أيضاً بالسرديات الإعلامية العابرة للحدود. ومن ثم، فإن أي مزاعم تمسّ سلامة المواطنين الأفارقة على أراضيه قد تُستغل سياسياً أو إعلامياً للإساءة إلى هذا التوجه، ما يفسر الطابع الحازم والسريع للرد الأمني.

الأهم في هذا الحدث هو أنه يعكس تحوّلاً في طبيعة التهديدات التي تواجهها الدول، حيث لم تعد تقتصر على الجرائم التقليدية، بل امتدت إلى فضاء المعلومات والتضليل. فالمعركة ضد الأخبار الزائفة باتت جزءاً لا يتجزأ من معادلة الأمن الشامل، وأداة أساسية للحفاظ على الاستقرار المجتمعي وحماية الثقة في المؤسسات.

في المحصلة، تكشف هذه القضية عن الحاجة الملحّة إلى إعادة التفكير في التوازن بين حرية الصحافة ومسؤولية التحقق من المعلومات. فبيان المديرية العامة للأمن الوطني لم يكن مجرد نفي لخبر، بل رسالة مؤسساتية تؤكد أن مكافحة التضليل الإعلامي أصبحت أولوية استراتيجية. كما تطرح القضية سؤالاً جوهرياً حول دور الإعلام الدولي في تشكيل صورة الدول، وحول أهمية تعزيز قنوات التواصل بين الصحافة والمؤسسات الرسمية، تفادياً لتحويل الأحداث الرياضية أو الاجتماعية إلى منصات لإنتاج سرديات غير دقيقة. وبالنسبة للمغرب، يظل الرهان قائماً على تحويل مثل هذه الأزمات إلى فرص لترسيخ الشفافية، وتعزيز التواصل، وتأكيد قدرته على حماية السلم الاجتماعي في مواجهة التهديدات المادية والإعلامية على حد سواء.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com