بروكسيل – في لحظة دولية موسومة بتسارع التحولات الجيوسياسية وتنامي منسوب عدم اليقين، ينعقد مجلس الشراكة المغرب–الاتحاد الأوروبي في دورته الخامسة عشرة، حاملاً دلالات تتجاوز الإطار البروتوكولي نحو إعادة تثبيت معادلة استراتيجية قائمة على الثقة، الاستقرار، وتلاقي المصالح. تصريحات وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، قبيل انطلاق أشغال المجلس، لم تكن مجرد تعبير دبلوماسي تقليدي، بل عكست قراءة مغربية واضحة لموقع المملكة داخل الخارطة الاستراتيجية الأوروبية.
شراكة بثلاثة عقود… ورهانات متجددة
انعقاد هذا المجلس قبيل الذكرى الثلاثين لتوقيع اتفاق الشراكة بين المغرب والاتحاد الأوروبي يمنحه بعداً رمزياً خاصاً. ثلاثة عقود لم تكن مجرد مسار تقني للتعاون، بل شكلت إطاراً مؤسساتياً متيناً جعل من المغرب الشريك الأكثر انتظاماً وموثوقية في الجوار الجنوبي للاتحاد. ففي الوقت الذي اهتزت فيه علاقات بروكسيل بعدد من شركائها المتوسطيين بفعل عدم الاستقرار السياسي أو تقلب الخيارات الاستراتيجية، حافظت الرباط على خط واضح، قائم على الاستمرارية والالتزام.
المغرب كفاعل استراتيجي في محيط مضطرب
البعد السياسي الذي شدد عليه ناصر بوريطة يكتسي أهمية خاصة في السياق الراهن، حيث تشهد الساحة الدولية تصاعد النزاعات، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، مروراً بتوترات الساحل الإفريقي. في هذا المشهد المعقد، يتموقع المغرب، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، كفاعل إقليمي يتمتع بالاستقرار والقدرة على الاستشراف، وهو ما تبحث عنه أوروبا اليوم أكثر من أي وقت مضى: شركاء يمكن فهم توجهاتهم والتنبؤ بسلوكهم.
هذا “الوضوح الاستراتيجي” الذي تحدث عنه الوزير يشكل رأسمالاً سياسياً نادراً في العلاقات الدولية، ويمنح الرباط وزناً خاصاً داخل دوائر القرار الأوروبية، ليس فقط كشريك اقتصادي، بل كعنصر توازن في معادلات الأمن الإقليمي، والهجرة، ومكافحة التطرف، والاستقرار في إفريقيا.
الاقتصاد: من تبادل تجاري إلى شراكة نموذجية
على المستوى الاقتصادي، يرسخ المغرب موقعه كشريك تجاري أول للاتحاد الأوروبي في إفريقيا وجنوب المتوسط. غير أن أهمية هذا المعطى لا تكمن فقط في حجم المبادلات، بل في طبيعتها المتطورة، التي انتقلت من منطق التبادل الكلاسيكي إلى دينامية سلاسل القيمة، والاستثمار الصناعي، والانتقال الطاقي. هنا، تبرز الشراكة المغربية–الأوروبية كنموذج قابل للتعميم في علاقة الاتحاد بجواره الجنوبي، كما أشار بوريطة، خاصة في ظل سعي أوروبا إلى تنويع شركائها وتقليص هشاشتها الاستراتيجية.
بين الصرامة والوفاء: معادلة الرباط
من بين الرسائل السياسية الأوضح في خطاب الوزير المغربي التأكيد على مقاربة ثابتة تجمع بين الصرامة في التعبير عن الانتظارات والوفاء بالالتزامات. وهي رسالة موجهة، بوضوح، إلى بروكسيل: الشراكة مع المغرب ليست علاقة تبعية، بل علاقة ندّية، تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة. هذا التوازن الدقيق هو ما منح الشراكة المغربية–الأوروبية قدرتها على الصمود في وجه الخلافات الظرفية.
شراكة للمستقبل لا للماضي
المشاركة الواسعة للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، وعلى مستويات وزارية، في هذا المجلس، تعكس إدراكاً أوروبياً متزايداً بأن المغرب ليس مجرد جار جنوبي، بل شريك استراتيجي في زمن الأزمات المركبة. مجلس الشراكة، في دورته الخامسة عشرة، لا يستند فقط إلى رصيد ثلاثين سنة من التعاون، بل إلى طموح متجدد لإعادة هندسة العلاقة على أسس أكثر توازناً وواقعية.
في المحصلة، تؤكد محطة بروكسيل أن الرهان المغربي–الأوروبي لم يعد محصوراً في إدارة المصالح الآنية، بل في بناء شراكة استراتيجية قادرة على مواجهة تحديات عالم يتغير بسرعة، حيث يصبح الاستقرار والوضوح عملتين نادرتين… والمغرب يمتلكهما.