تركيا خارج مرمى الصواريخ الإيرانية: حسابات الردع وحدود المغامرة في زمن التصعيد
بوشعيب البازي
بروكسل : في خضم التصعيد المتسارع بين إيران من جهة، و**الولايات المتحدة** و**إسرائيل** من جهة أخرى، تبرز مفارقة جيوستراتيجية لافتة: طهران تضرب الأصول الأميركية في الخليج بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، لكنها تلتزم حذرًا بالغًا تجاه تركيا، رغم وجود قواعد أميركية حساسة على أراضيها.
هذا السلوك لا يمكن قراءته باعتباره ضعفًا إيرانيًا أو ترددًا عابرًا، بل هو تعبير عن حساب استراتيجي دقيق، يوازن بين إظهار القدرة على الردع العسكري، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع دولة عضو في حلف شمال الأطلسي، تمتلك أدوات ردع تقليدية وغير تقليدية، وتتمتع بموقع جيوسياسي بالغ الحساسية.
من الناحية النظرية، لا تستثني العقيدة الردعية الإيرانية أي وجود عسكري أميركي في المنطقة، بما في ذلك القواعد المنتشرة في تركيا. غير أن الواقع يُظهر أن طهران تدرك جيدًا أن استهداف قواعد مثل قاعدة إنجرليك الجوية أو قاعدة كوريجيك يختلف جذريًا عن ضرب أهداف في الخليج. فهنا لا نتحدث فقط عن قوات أميركية، بل عن بنية ردع جماعي، وعن التزامات دفاعية قد تُفَعَّل وفق المادة الخامسة من معاهدة الناتو، حيث يُعدّ الهجوم على عضو واحد هجومًا على الجميع.
قاعدة إنجرليك، على سبيل المثال، ليست مجرد منصة لوجستية أو جوية، بل تمثل أحد أعمدة الانتشار العسكري للناتو في الشرق الأوسط وشرق المتوسط، وتُخزَّن فيها، وفق تقارير متعددة، أسلحة نووية تكتيكية في إطار برنامج “المشاركة النووية”. أي مغامرة عسكرية إيرانية ضد هذه القاعدة ستكون مقامرة تصعيدية مفتوحة على كل السيناريوهات، بما فيها الأسوأ.
أما قاعدة كوريجيك، التي تستضيف رادار الإنذار المبكر التابع للناتو، فهي بحد ذاتها عنصر ردع صامت. وجود هذا النظام يعني أن أي إطلاق صاروخي إيراني باتجاه الغرب يُرصد في ثوانٍ، ما يُفقد طهران عنصر المفاجأة، ويجعل كلفة القرار العسكري أعلى بكثير من مردوده السياسي أو العسكري.
تركيا، من جهتها، تُدرك خطورة موقعها في هذه المعادلة، ولذلك تدير الأزمة ببراغماتية حذرة. تصريحات الرئيس رجب طيب أردوغان التي دان فيها التصعيد ودعا إلى إحياء المسار الدبلوماسي، تعكس سعي أنقرة للحفاظ على دور الوسيط، لا الخصم. وهذا الدور ليس تفصيلاً هامشيًا في الحسابات الإيرانية، بل أحد الأسباب الجوهرية التي تجعل طهران تُمسك يدها عن الزناد عندما يتعلق الأمر بتركيا.
من منظور جيوستراتيجي أوسع، تدرك إيران أن استهداف تركيا سيعني عمليًا خسارة آخر الجسور الدبلوماسية الممكنة مع الغرب، وتعميق عزلتها الإقليمية، ودفع أنقرة – بما تمثله من ثقل عسكري واقتصادي – إلى الاصطفاف الكامل في المعسكر المعادي لها. كما أن تركيا تمتلك ثاني أكبر جيش في الناتو، وقوة جوية متطورة، وقدرات متقدمة في مجال الطائرات المسيّرة، ما يجعل أي مواجهة مباشرة معها مخاطرة غير محسوبة العواقب.
ولا يمكن إغفال البعد الداخلي الإيراني. فالنظام في طهران يواجه ضغوطًا اقتصادية واجتماعية متزايدة، ويحتاج إلى إدارة الصراع الخارجي بأقل كلفة ممكنة. الضربات المحدودة في الخليج تحقق له رسالة القوة دون إشعال حرب شاملة، بينما فتح جبهة مع تركيا قد يسرّع انتقال الأزمة من مستوى “التحكم” إلى مستوى “الانفلات”.
خلاصة القول، إن استثناء تركيا من الاستهداف الإيراني ليس تعبيرًا عن حسن نية، بل نتيجة حساب استراتيجي متعدد الطبقات: عضوية الناتو، الردع النووي غير المباشر، القوة العسكرية التركية، الموقع الجيوسياسي، والدور الدبلوماسي لأنقرة. إنه نموذج لما يمكن تسميته “الردع الانتقائي”، حيث تُستخدم القوة بعناية، لا بدافع التهور، بل بمنطق إدارة المخاطر.
في عالم تتآكل فيه الخطوط الفاصلة بين الردع والتصعيد، تُظهر هذه الحالة أن أخطر القرارات ليست تلك التي تُتخذ بإطلاق الصواريخ، بل تلك التي تُتخذ بعدم إطلاقها. وهذا، في حد ذاته، أحد أعمق دروس الجيوستراتيجية المعاصرة.