تسارع فرنسا خطواتها لاستعادة موطئ قدم وازن داخل سوق التسلح المغربية، من خلال حراك دبلوماسي وعسكري مكثف يهدف إلى إقناع الرباط بالتأشير على صفقة محتملة لاقتناء غواصتين لفائدة البحرية الملكية من طراز “سكوربين”. ويأتي هذا التحرك في سياق تنافسي أوروبي مفتوح، يعكس الأهمية الاستراتيجية المتزايدة للمغرب في معادلات الأمن البحري الإقليمي، خصوصا في غرب البحر الأبيض المتوسط ومحيط مضيق جبل طارق.
وبحسب ما أوردته الصحافة الإسبانية، تقود Naval Group جهودا دبلوماسية وصناعية مكثفة في الرباط، لمواجهة عروض منافسة تقدمت بها الشركة الألمانية “تيسن كروب مارين سيستمز”، إلى جانب دخول الشركة الإسبانية “نافانتيا” على خط المنافسة عبر الترويج لغواصاتها من فئة “S-80”، ما يعكس احتدام الصراع الصناعي الأوروبي على السوق الدفاعية المغربية.
وفي هذا السياق، أنشأت فرنسا، في يوليو الماضي، ما بات يعرف بـ“لجنة الأسلحة”، بمبادرة من المديرية العامة للتسلح، بهدف تعزيز التعاون الصناعي والعسكري مع المغرب، مع التركيز على تطوير القاعدة الصناعية والتكنولوجية الدفاعية الوطنية. وقد أكد إيمانويل شيفا، المندوب العام للتسلح الفرنسي، خلال زيارته إلى الرباط، أن باريس تراهن على شراكة “تتجاوز منطق البيع والشراء” نحو تعاون طويل الأمد في مجال التصنيع العسكري ونقل الخبرات.
رهان مغربي على الردع البحري
تسعى القوات المسلحة الملكية المغربية إلى تطوير ترسانتها البحرية عبر إدماج غواصتين حديثتين في أسطولها، في إطار رؤية استراتيجية ترمي إلى تعزيز القدرات الاستطلاعية والضربات الموجهة، وحماية المصالح الحيوية للمملكة في الفضاء البحري. ويأتي هذا التوجه في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة، وارتفاع منسوب التهديدات المرتبطة بأمن الملاحة، والطاقة البحرية، والبنى التحتية الساحلية.
وتراهن مجموعة نافال على العمق التاريخي للعلاقات المغربية–الفرنسية، إلى جانب الأداء العملياتي لغواصات “سكوربين”، المعروفة بقدراتها العالية على التخفي والعمل السري، لإقناع صناع القرار المغاربة. كما تروّج باريس لعرض متكامل يشمل التكوين، والدعم اللوجستي، ونقل التكنولوجيا، معززة حضورها الدبلوماسي بتعيين ملحق عسكري جديد متخصص في شؤون التسلح، ودعم عمل “لجنة الأسلحة” لمواكبة طموحات المغرب الدفاعية.
مكاسب استراتيجية للمغرب
في هذا الإطار، يرى الباحث في الدراسات الأمنية والاستراتيجية محمد الطيار أن “حدة التنافس الدولي تصب في مصلحة المغرب، الذي يسعى إلى اقتناء غواصتين بقدرات متطورة تمثلان نقلة نوعية في منظومته الدفاعية”. وأوضح أن “الغواصات تعد من أقوى أدوات الردع الاستراتيجي، بفضل قدرتها على العمل في سرية تامة، وتنفيذ عمليات دقيقة دون رصد، ما يعزز قدرة المملكة على مواجهة أي تهديد محتمل”.
وأضاف أن توفر البحرية الملكية على غواصتين سيمكنها من توسيع نطاق المراقبة البحرية، وتأمين مشاريع الطاقة وطرق الملاحة الحيوية، وفي مقدمتها مضيق جبل طارق، الذي يعد من أهم الممرات البحرية في العالم، حيث تمر عبره نسبة معتبرة من التجارة الدولية، ما يمنح المغرب وزنا استراتيجيا إضافيا في المعادلات الإقليمية.
عرض فرنسي متعدد الأبعاد
ولا يقتصر الحراك الفرنسي على ملف الغواصات، إذ قدمت شركات صناعية كبرى عروضا موازية، تشمل أنظمة رادار متطورة من شركة Thales، وتجميع مركبات مدرعة عبر شركة “أركوس”، فضلا عن صيانة مروحيات “كاراكال” التابعة لمجموعة Airbus. في المقابل، غابت مجموعات أخرى عن هذه الدينامية، من بينها “KNDS”، التي كانت قد خسرت صفقة مدافع “سيزار” لصالح نظام منافس تابع لشركة Elbit Systems.
خيارات متعددة وقرار لم يُحسم بعد
ورغم الزخم الفرنسي، لم يُحسم بعد قرار المغرب بشأن صفقة الغواصات. فإلى جانب العرض الفرنسي، يدرس المغرب عرضا روسيا لغواصة “Amur”، كما دخل في مفاوضات مع كل من اليونان والبرتغال لاستكشاف إمكانية اقتناء غواصات مستعملة. ويركز صانع القرار المغربي، وفق مصادر متخصصة، على معايير صارمة تشمل الأداء التقني، وتكلفة التشغيل، والدعم اللوجستي، وبرامج التكوين والتدريب.
وفي تقييمه لهذا المسار، اعتبر موقع “ميليتاري أفريكا” المتخصص أن “قرار المغرب بشأن الغواصات يحمل تبعات استراتيجية كبرى، إذ من شأنه أن يعزز بشكل ملموس قدرة البحرية الملكية على حماية المصالح البحرية للمملكة”، مؤكدا أن “المغرب يقف اليوم أمام خيار حاسم سيحدد موقعه كقوة إقليمية صاعدة في شمال أفريقيا”.
وتجدر الإشارة إلى أن غواصات “سكوربين” تعمل بالديزل والكهرباء، ومصممة لتنفيذ مهام استخباراتية وهجومية ضد أهداف سطحية وتحت مائية، بوزن يتراوح بين 1600 و2000 طن، ومزودة بستة أنابيب طوربيد عيار 533 ملم، وقادرة على حمل ما يصل إلى 18 سلاحا، بما في ذلك الصواريخ المضادة للسفن.
وفي سياق متصل، أفاد تقرير لـ“غلوبال ديفينس نيوز” أن المغرب يواصل تحديث منظومته الدفاعية البحرية، عبر تطوير طائرات وسفن مسيّرة، ودراسة اقتناء طائرات دورية بحرية مضادة للغواصات، مبرزا أن ميزانية الدفاع المغربية لسنة 2025 بلغت نحو 13 مليار دولار، ما يعكس حجم الرهان الاستراتيجي الذي توليه المملكة لأمنها البحري.