توطين صناعة الطائرات المسيّرة في المغرب: خطوة استراتيجية نحو السيادة التكنولوجية والدفاعية

حنان الفاتحي

يشهد المغرب في السنوات الأخيرة تحوّلاً لافتاً في مقاربته للمنظومة الدفاعية، من خلال الانتقال التدريجي من منطق اقتناء العتاد العسكري إلى بناء قاعدة صناعية دفاعية وطنية قادرة على استيعاب التكنولوجيا وتطويرها محلياً. وفي هذا السياق، أعلن فرع شركة Baykar التركية بالمغرب، “أطلس ديفنس”، المتخصصة في أنظمة الطيران بدون طيار، عن إطلاق حملة توظيف تستهدف طيارين ومهندسين وتقنيين متخصصين، في إطار مشروع صناعي واستراتيجي دخل حيّز التنفيذ سنة 2025، يهدف إلى تلبية احتياجات القوات المسلحة الملكية المغربية في مجال الطائرات المسيّرة.

وتندرج هذه المبادرة ضمن دينامية أوسع لتوطين الصناعات الدفاعية، تقوم على نقل التكنولوجيا وبناء كفاءات محلية في المجالات الهندسية المتقدمة، خاصة في ما يتعلق بإلكترونيات الطيران وأنظمة التحكم الذكية. ويعكس هذا التوجه تحوّلاً في العقيدة الصناعية الدفاعية للمملكة، التي تسعى إلى تقليص الاعتماد على الموردين الخارجيين، وتعزيز قدرتها على صيانة وتطوير تجهيزاتها العسكرية محلياً.

مسار تعاون عسكري متصاعد

بدأ التعاون العسكري بين المغرب وتركيا في مجال الطائرات المسيّرة منذ عام 2021، مع اقتناء الرباط 13 طائرة من طراز Bayraktar TB2، التي أثبتت فعاليتها العملياتية في عدة مسارح إقليمية. وقد أعقب ذلك تعاقد جديد لاقتناء الطائرة الأكثر تطوراً Bayraktar Akıncı، في صفقة بلغت قيمتها نحو 59 مليون دولار.

وتُستخدم هذه المنظومات المتقدمة في مهام متعددة تشمل مراقبة السواحل الشمالية للمملكة والتصدي لموجات الهجرة غير النظامية وعمليات تهريب المخدرات، فضلاً عن مراقبة الحدود المحاذية لمدينتي سبتة و**مليلية**، إضافة إلى توظيفها في مهام استطلاعية وقتالية في الأقاليم الجنوبية للمملكة.

وتصنّف طائرة “أقنجي” ضمن فئة الطائرات القتالية بدون طيار طويلة المدى وعالية الارتفاع (HALE)، حيث تتميز بقدرات متقدمة في مجالي الاستطلاع والهجوم، كما تمتلك حمولة أكبر ومدى تشغيلياً أطول مقارنة بطراز TB2، وقد دخلت الخدمة رسمياً لدى القوات المسلحة التركية سنة 2021.

بنسليمان: نواة محور صناعي دفاعي

من المنتظر أن يعزز المشروع الصناعي الجديد موقع منطقة بنسليمان باعتبارها قطباً صاعداً للصناعات الدفاعية في المغرب. ويقع مقر الشركة المكلفة بتنفيذ المشروع في الرباط، برأسمال يناهز 2.5 مليار درهم.

وفي مرحلته الأولى، ستركز الوحدة الصناعية على توفير خدمات الدعم التقني وصيانة الطائرات المسيّرة وتأمين قطع الغيار، قبل الانتقال تدريجياً إلى تصنيع مكونات وأنظمة تكنولوجية متقدمة موجهة لقطاع الدفاع. ويُرتقب أن يتحول هذا الموقع لاحقاً إلى منصة إقليمية للصيانة والخدمات اللوجستية، بالنظر إلى الانتشار الواسع للطائرات المسيّرة التركية في عدد من بلدان شمال إفريقيا ومنطقة الساحل.

من الاقتناء إلى نقل التكنولوجيا

يمثل المشروع المغربي التركي ترجمة عملية لاستراتيجية الانتقال من نموذج الاستيراد المباشر للتجهيزات العسكرية إلى نموذج الشراكة الصناعية القائمة على نقل المعرفة والتكنولوجيا. ويقوم هذا التوجه على تكوين مهندسين وتقنيين مغاربة في تخصصات دقيقة، بما يسمح ببناء خبرة وطنية مستدامة في مجالات الطيران غير المأهول والأنظمة الإلكترونية الدفاعية.

وفي هذا الإطار، يرى الباحث في الشؤون الاستراتيجية والأمنية هشام معتضد أن “القيمة الجوهرية لهذه الخطوة تكمن في انتقال المغرب من موقع الزبون العسكري إلى شريك صناعي قادر على استيعاب تكنولوجيا الطائرات المسيّرة المتقدمة وإعادة توطينها داخلياً”.

ويضيف أن هذا التحول يحمل بعداً مزدوجاً؛ أمنياً يتمثل في تعزيز القدرات التشغيلية للقوات المسلحة، وصناعياً يتجسد في بناء موارد بشرية وتقنية محلية قادرة على دعم منظومة الدفاع الوطني على المدى الطويل. كما يشير إلى أن البنية الصناعية الدفاعية الناشئة في المغرب يمكن أن تتحول إلى منصة جيو–استراتيجية تعيد تعريف موقع المملكة ضمن منظومة التسلح الإقليمي.

توسيع الشراكات الدفاعية

لا يقتصر التعاون العسكري بين الرباط وأنقرة على مجال الطائرات المسيّرة، إذ وقّع المغرب أيضاً صفقة مع شركة Aselsan التركية للصناعات الدفاعية الإلكترونية بقيمة 50.7 مليون دولار لاقتناء منظومة الحرب الإلكترونية KORAL-EW، التي تشمل رادارات متقدمة ووسائل اتصال عسكرية وأنظمة تشويش إلكتروني وأجهزة تحكم وملاحة.

كما فتحت الرباط باب التفاوض مع أنقرة لاقتناء 22 مروحية قتالية من طراز T129 ATAK، في صفقة تقدر قيمتها بنحو 1.3 مليار دولار، ما يعكس عمق التعاون الدفاعي المتنامي بين البلدين.

إطار قانوني محفّز للصناعة الدفاعية

يندرج هذا التوجه ضمن رؤية استراتيجية أوسع اعتمدها المغرب في إطار القانون رقم القانون المغربي 10.20 المتعلق بعتاد وتجهيزات الدفاع والأمن، الذي يفتح المجال أمام الاستثمارات الوطنية والأجنبية لإنشاء صناعات دفاعية متقدمة داخل المملكة.

ويهدف هذا الإطار القانوني إلى تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية: تعزيز السيادة الصناعية في المجال العسكري، خلق فرص عمل عالية الكفاءة في مجالات التكنولوجيا المتقدمة، وتقليص فاتورة استيراد المعدات الدفاعية. كما يسعى إلى تمكين المغرب من التحول تدريجياً إلى قطب إقليمي في الصناعات العسكرية المستقبلية.

نحو قطب إقليمي للتكنولوجيا الدفاعية

في ضوء هذه التحولات، يبدو أن المغرب يتجه بثبات نحو بناء منظومة صناعية دفاعية متكاملة تقوم على الشراكات الدولية ونقل التكنولوجيا وتطوير الكفاءات المحلية. وقد عززت الرباط هذا التوجه من خلال تنويع مصادر تسليحها لتشمل دولاً مثل تركيا والبرازيل والهند، بما يتيح لها هامشاً أوسع من الاستقلالية الاستراتيجية.

وبينما تظل المرحلة الحالية مركزة على الصيانة والدعم التقني، فإن نجاح المشروع سيُقاس مستقبلاً بقدرة الصناعة الدفاعية المحلية على الانتقال من مرحلة التجميع إلى مرحلة الابتكار والإنتاج الكامل، وهو مسار قد يضع المغرب، في حال تحقيقه، ضمن قائمة الدول الصاعدة في مجال الصناعات الدفاعية والتكنولوجية في إفريقيا والفضاء المتوسطي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com