اختفاء الأطفال بالمغرب: حين يصبح الخوف هو الحارس الوحيد للأسر

بوشعيب البازي

Screenshot

بروكسل : في المغرب اليوم، لم يعد اختفاء الأطفال مجرد حادثة معزولة تُروى في نشرات الأخبار ثم تُنسى بعد أيام. لقد أصبح الأمر أشبه بكابوس متكرر يزور الأسر المغربية من حين لآخر، وكأن المجتمع كله يعيش على إيقاع سؤال بسيط لكنه مرعب: من الطفل القادم؟

الغريب في الأمر أن بلادنا لا تعاني من نقص في المؤسسات، ولا من فقر في القوانين، ولا حتى من غياب الخطب الرسمية التي تؤكد، في كل مناسبة، أن أمن المواطن “أولوية مطلقة”. لكن يبدو أن هذه الأولوية المطلقة تضيع أحيانًا في الطريق بين البلاغات الرسمية ومكاتب الإدارات.

فكلما اختفى طفل، تتحرك آلة التطمين المعتادة: بيانات، تصريحات، ووعود بفتح تحقيقات. غير أن ما يثير القلق ليس فقط وقوع هذه الحوادث، بل الإحساس المتزايد لدى الأسر بأن الحماية الفعلية تأتي دائمًا بعد الفاجعة، وليس قبلها.

في الواقع، لا يحتاج المواطن المغربي إلى كثير من التحليل ليدرك أن جزءًا من المشكلة يكمن في غياب اليقظة الاستباقية. فالفضاءات العامة التي يقضي فيها الأطفال جزءًا من يومهم — من أحياء شعبية إلى محيط المدارس — غالبًا ما تفتقر إلى الحد الأدنى من المراقبة. أما الكاميرات التي نسمع عنها في الخطابات، فغالبًا ما تبدو كفكرة جميلة على الورق أكثر منها واقعًا يوميًا في الشارع.

وإذا كان من الطبيعي أن لا تستطيع أي دولة منع كل الجرائم، فإن غير الطبيعي هو أن يشعر المواطن بأن الوقاية ليست ضمن الأولويات الفعلية لمن يفترض أنهم حراس الأمن العام.

ولعل المفارقة الأكثر إيلامًا أن المغرب يمتلك أجهزة أمنية مشهودًا لها بالكفاءة حين يتعلق الأمر بملفات كبرى أو بقضايا معقدة، لكن عندما يتعلق الأمر بأمن الأطفال في الأحياء والفضاءات اليومية، يبدو أن هذه الكفاءة تختفي فجأة خلف جدار البيروقراطية أو اللامبالاة.

الأمر لا يتعلق بتوجيه اتهامات مجانية، بل بطرح سؤال بسيط: لماذا لا تتحول حماية الأطفال إلى أولوية عملياتية حقيقية، بدل أن تبقى شعارًا عامًا يتكرر كلما وقعت مأساة جديدة؟

فالواقع أن اختفاء طفل واحد يجب أن يطلق حالة استنفار وطنية حقيقية، لا أن يتحول إلى خبر عابر في انتظار حادثة أخرى. لأن المجتمع الذي يعتاد على هذا النوع من الأخبار يبدأ تدريجيًا في فقدان إحساسه بالأمان، وهذه أخطر خسارة يمكن أن تصيب أي دولة.

وما يزيد الوضع تعقيدًا أن المخاطر التي تهدد الأطفال اليوم لم تعد تقتصر على الشارع. فالفضاء الرقمي، الذي دخل كل بيت دون استئذان، أصبح بدوره ساحة مفتوحة لعمليات الاستدراج والابتزاز. ومع ذلك، ما زالت التربية الرقمية غائبة عن كثير من البرامج التربوية، وكأننا نعيش في زمن لا وجود فيه للإنترنت.

كما أن الحديث عن شبكات الاتجار بالبشر لم يعد مجرد فرضية نظرية. فهذه الشبكات تبحث دائمًا عن البيئات التي تتوفر فيها الهشاشة وضعف الرقابة، وهي عناصر لا يصعب العثور عليها في كثير من المناطق.

ومع ذلك، فإن تحميل المسؤولية للأجهزة الأمنية وحدها سيكون تبسيطًا مريحًا للمشكلة. فحماية الأطفال ليست مهمة الشرطة فقط، بل مسؤولية جماعية تبدأ من الأسرة، مرورًا بالمدرسة، وصولًا إلى المجتمع المدني ووسائل الإعلام.

لكن هذه المسؤولية الجماعية لا تعني إعفاء الدولة من دورها المركزي. فالدولة ليست مجرد مراقب للأحداث، بل هي الضامن الأول للأمن العام. وهذا يقتضي سياسات وقائية واضحة، واستثمارات حقيقية في المراقبة والتتبع، وتنسيقًا فعالًا بين مختلف المؤسسات المعنية بحماية الطفولة.

لأن الحقيقة التي يجب قولها بوضوح هي أن الأمن لا يقاس بعدد البلاغات التي تصدر بعد وقوع الجريمة، بل بقدرة المؤسسات على منعها قبل أن تقع.

إن الطفل الذي يختفي لا يختفي فقط من شارع أو حي، بل يختفي أيضًا جزء من الثقة بين المواطن ومؤسسات الحماية. وهذه الثقة، حين تتآكل، لا تعوضها أي بيانات مطمئنة.

ولهذا فإن اللحظة الراهنة تفرض مراجعة حقيقية لكيفية التعامل مع أمن الأطفال في المغرب. مراجعة تتجاوز منطق رد الفعل إلى منطق الوقاية، وتضع حماية الطفولة في صلب السياسات الأمنية والاجتماعية.

لأن المجتمع الذي يعجز عن حماية أطفاله لا يغامر فقط بمستقبلهم، بل بمستقبله هو أيضًا.

وفي انتظار أن تتحول الوعود إلى أفعال، يبدو أن الحارس الأكثر يقظة في المغرب اليوم ليس مؤسسة رسمية، بل خوف الأمهات.

وهو حارس، للأسف، لا ينام أبدًا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com