بين خطاب الاستفتاء وواقعية الحكم الذاتي: التحولات الجيوسياسية لنزاع الصحراء المغربية
بوشعيب البازي
في لحظة إقليمية ودولية تتسم بإعادة تشكيل موازين القوة في شمال أفريقيا والساحل، عاد إبراهيم غالي، زعيم جبهة بوليساريو الانفصالية، إلى التلويح بخيار تنظيم الاستفتاء باعتباره “الحل الوحيد” للنزاع الإقليمي حول الصحراء المغربية. غير أن هذا الخطاب يأتي في سياق دولي مختلف جذرياً عمّا كان عليه قبل عقدين، حيث تتسارع الديناميات الدبلوماسية التي تقودها الولايات المتحدة لدفع المسار الأممي نحو تسوية سياسية واقعية ومستدامة، قائمة أساساً على مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
تحولات المسار الأممي
منذ سنوات، لم يعد النقاش داخل مجلس الأمن يدور حول إمكانية تنظيم استفتاء لتقرير المصير، بقدر ما أصبح يتركز حول صياغة حل سياسي متوافق عليه بين الأطراف. وقد كرس القرار الأممي 2797 هذا التحول بوضوح، إذ شدد على ضرورة التوصل إلى “حل سياسي واقعي وعملي ودائم قائم على التوافق”، في إشارة صريحة إلى تجاوز المقاربة القديمة التي ارتبطت بمشروع الاستفتاء.
هذا التحول يعكس إدراكاً دولياً متزايداً لتعقيدات الواقع الديموغرافي والسياسي في الأقاليم الجنوبية، حيث لم تعد القاعدة السكانية التي كان يفترض أن يقوم عليها الاستفتاء موجودة بالشكل الذي تصورته الأمم المتحدة في بداية التسعينات. فقد تحولت الصحراء المغربية إلى فضاء اجتماعي متنوع يجمع بين السكان الصحراويين الأصليين ومغاربة استقروا في المنطقة على مدى عقود، ما يجعل من أي محاولة لإعادة بناء لوائح انتخابية “نقية” أمراً بالغ التعقيد من الناحية التقنية والسياسية.
في هذا السياق، يرى الباحث في الشؤون السياسية والاستراتيجية هشام معتضد أن “التمسك بالاستفتاء اليوم يمثل إنكاراً للواقع، لأن مجلس الأمن نفسه تجاوز هذا الخيار منذ سنوات، ولم تعد عبارة الاستفتاء لتقرير المصير تظهر في أي قرار أممي جدي”. ويضيف أن المجتمع الدولي بات يدرك أن محاولة فرض هذا الخيار قد تشكل عاملاً لعدم الاستقرار في منطقة تعاني أصلاً من تحديات أمنية متفاقمة في الساحل والصحراء.
الواقعية الجيوسياسية للحكم الذاتي
بالمقابل، اكتسبت مبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب منذ عام 2007 زخماً دبلوماسياً متزايداً، خاصة بعد الاعتراف الأميركي بسيادة المغرب على الصحراء في ديسمبر 2020. وقد تحولت هذه المبادرة تدريجياً إلى الإطار المرجعي للنقاش الدولي حول مستقبل المنطقة.
ويؤكد مدير تحرير مجلة “جون أفريك”، فرانسوا سودان، في حديث لإذاعة فرنسا الدولية، أن “النقطة الأساسية في المفاوضات الحالية تحت إشراف الأميركيين هي التخلي الضمني عن خيار الاستفتاء”، مشيراً إلى أن خيار الاستقلال أصبح يُنظر إليه اليوم باعتباره تصوراً قديماً لم يعد يتلاءم مع المعادلات السياسية الحالية، خاصة بعد اعتماد القرار 2797 الذي يركز على مناقشة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
كما أن الواقع الميداني في الأقاليم الجنوبية يعزز هذا الاتجاه، حيث شهدت المنطقة خلال العقدين الأخيرين تحولات اقتصادية وبنيوية عميقة، شملت تطوير بنية تحتية متقدمة، وإطلاق مشاريع طاقية كبرى، وتعزيز المشاركة السياسية للسكان المحليين في المؤسسات المنتخبة. ويقدم المغرب هذه الدينامية باعتبارها نموذجاً عملياً لكيفية إدارة حكم ذاتي موسع داخل إطار السيادة الوطنية.
تآكل الاحتكار التمثيلي لبوليساريو
في موازاة ذلك، يواجه خطاب بوليساريو تحديات متزايدة، ليس فقط على المستوى الدولي، بل أيضاً داخل الفضاء السياسي الصحراوي نفسه. فقد ظهرت خلال السنوات الأخيرة مبادرات سياسية جديدة تسعى إلى كسر احتكار الجبهة لتمثيل الصحراويين، أبرزها حركة “صحراويون من أجل السلام”، التي استطاعت أن تفرض حضوراً متنامياً في النقاشات الدولية حول مستقبل المنطقة.
وقد حققت هذه الحركة مكاسب سياسية وتنظيمية لافتة، من بينها حصولها على عضوية الأممية الاشتراكية وتنظيم ندوات دولية للحوار والسلام، ما ساهم في تعزيز خطاب بديل يقوم على فكرة التسوية السياسية والتوافق الإقليمي بدل الاستقطاب الإيديولوجي الذي طبع النزاع لعقود.
ضغط متصاعد من واشنطن
على الصعيد الأميركي، تتجه بعض المبادرات داخل الكونغرس نحو تشديد الضغط على جبهة بوليساريو، حيث يتزايد الدعم لمشروع قانون يدعو إلى إدراج الجبهة ضمن قائمة المنظمات الإرهابية في الولايات المتحدة. وقد انضم إلى هذه المبادرة عدد من النواب الجمهوريين، من بينهم دون بيكون وزاكاري نان، ما يعكس تنامياً في القلق داخل واشنطن من ارتباطات محتملة للجبهة مع شبكات عدم الاستقرار في منطقة الساحل.
ويأتي ذلك في وقت يتزايد فيه الاهتمام الدولي بالوضع داخل مخيمات تندوف جنوب غرب الجزائر، حيث دعت منظمات حقوقية خلال الدورة الحادية والستين لمجلس حقوق الإنسان في جنيف إلى اتخاذ إجراءات ملموسة لضمان حماية الحقوق الأساسية لسكان المخيمات، بما في ذلك السماح للآليات الأممية بالوصول غير المقيد وإجراء إحصاء شفاف للسكان.
بين الخطاب الرمزي والتحولات الواقعية
في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن إحياء خطاب الاستفتاء من قبل قيادة بوليساريو يندرج أكثر في إطار محاولة إعادة تعبئة القاعدة السياسية للجبهة والحفاظ على حضورها الإعلامي، في وقت تتجه فيه الديناميات الدولية نحو مقاربة مختلفة تقوم على الواقعية السياسية والتوافق الإقليمي.
ومن منظور جيوستراتيجي، لم يعد النزاع حول الصحراء المغربية مجرد قضية تصفية استعمار كما كان يُقدَّم في الماضي، بل أصبح جزءاً من معادلة أوسع تتقاطع فيها اعتبارات الأمن الإقليمي، واستقرار منطقة الساحل، والتحولات في النظام الدولي.
وفي هذا السياق، تتبلور تدريجياً قناعة لدى عدد متزايد من الفاعلين الدوليين بأن تسوية النزاع لن تمر عبر استعادة صيغ سياسية من الماضي، بل عبر صياغة نموذج جديد للتدبير الذاتي داخل السيادة المغربية، يوازن بين الخصوصية المحلية ومتطلبات الاستقرار الإقليمي.
وبين خطاب يستعيد مفردات الأمس وديناميات دولية ترسم معالم تسوية الغد، يبدو أن مستقبل الصحراء المغربية يتجه أكثر فأكثر نحو منطق الواقعية السياسية، حيث لم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كان الحل سيأتي، بل أي شكل سيتخذه هذا الحل في نظام إقليمي يعاد تشكيله بسرعة.