رياض مزور والجالية المغربية: عندما يتحول خطاب المسؤول إلى جرح رمزي في جسد الوطن
بوشعيب البازي
في الدول التي تحترم مؤسساتها ومواطنيها، تشكّل الكلمة الصادرة عن المسؤول العمومي جزءاً من العقد الأخلاقي الذي يربط الدولة بمواطنيها، داخل الوطن وخارجه. فالكلمة ليست مجرد تعبير عابر، بل هي موقف سياسي ورسالة رمزية تعكس تصور الدولة لمواطنيها. غير أن الجدل الذي أثارته التصريحات المنسوبة إلى وزير الصناعة والتجارة المغربي رياض مزور بشأن الجالية المغربية بالخارج أعاد طرح سؤال قديم جديد: كيف تنظر بعض النخب الحكومية إلى ملايين المغاربة الذين يعيشون خارج الحدود؟
لقد اعتاد المغرب، منذ عقود، أن يقدّم جاليته المقيمة في الخارج باعتبارها “قوة استراتيجية” ورافعة اقتصادية ودبلوماسية وثقافية. هذه الجالية، التي يتجاوز عدد أفرادها خمسة ملايين مواطن، لا تمثل فقط امتداداً ديموغرافياً للوطن، بل تشكّل أيضاً أحد أهم مصادر العملة الصعبة عبر التحويلات المالية التي تُعدّ ركيزة من ركائز التوازن المالي الوطني. غير أن ما يثير الاستغراب في هذه القضية ليس فقط مضمون التصريحات التي وُصفت من طرف عدد من أفراد الجالية بأنها غير لائقة أو مهينة، بل الصمت المؤسسي الذي أعقبها.
جالية بين الاعتراف الرمزي والتهميش المؤسساتي
لطالما تمّ الاحتفاء بمغاربة العالم في الخطابات الرسمية، خصوصاً خلال المناسبات الوطنية الكبرى، باعتبارهم “سفراء غير رسميين للمغرب”. غير أن هذا الاعتراف الرمزي كثيراً ما يصطدم بواقع مؤسساتي مختلف، حيث تعاني قضايا الجالية من غياب تمثيلية فعّالة داخل منظومة صنع القرار.
ففي خضم الجدل الذي أثارته تصريحات الوزير، صدرت ردود فعل متفرقة من أفراد وفاعلين جمعويين داخل الجالية، عبّروا فيها عن استيائهم من لغة اعتبروها غير لائقة بمسؤول حكومي يتحدث عن مواطنين ساهموا لعقود في دعم الاقتصاد الوطني والدفاع عن صورة المغرب في الخارج. لكن اللافت في هذه القضية كان الغياب شبه التام لصوت المؤسسات التي أُنشئت أصلاً للدفاع عن مصالح مغاربة العالم.
أين مؤسسات الجالية؟
يطرح هذا الصمت أسئلة محرجة حول دور المؤسسات المعنية بقضايا الجالية، وعلى رأسها مجلس الجالية المغربية بالخارج ، و مؤسسة الحسن الثاني ، و وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج هذه المؤسسات، التي يفترض أن تكون صوت الجالية ودرعها المؤسساتي، لم تُصدر مواقف واضحة تعكس حجم الجدل الذي أثارته القضية. فهل يتعلق الأمر بحذر سياسي؟ أم بخلل بنيوي في تمثيلية الجالية داخل هذه المؤسسات؟ أم أن الأمر يعكس ببساطة ضعف استقلاليتها وقدرتها على التفاعل مع القضايا الحساسة التي تمس ملايين المواطنين؟
اقتصاد بلا صوت سياسي
تظهر الأرقام أن تحويلات مغاربة العالم تعدّ من أهم مصادر العملة الصعبة للمغرب، حيث تنافس أحياناً عائدات قطاعات استراتيجية مثل السياحة أو الاستثمارات الأجنبية. لكن المفارقة تكمن في أن هذه القوة الاقتصادية لا تقابلها قوة تمثيلية حقيقية داخل المؤسسات الوطنية.
فالجالية المغربية، رغم وزنها الاقتصادي والديموغرافي، ما تزال تعاني من محدودية المشاركة السياسية وغياب قنوات مؤسساتية فعالة للتعبير عن مصالحها. وفي كثير من الأحيان، تتحول بعض المؤسسات المرتبطة بقضايا الجالية إلى فضاءات بيروقراطية يهيمن عليها أشخاص لا يعيشون تجربة الهجرة ولا يلامسون التحديات اليومية التي يواجهها المغاربة في الخارج.
بين الخطاب الرسمي والواقع
إن النقاش الذي فجّرته هذه التصريحات لا يتعلق بشخص الوزير بقدر ما يعكس إشكالية أعمق تتعلق بكيفية تدبير الدولة لعلاقتها مع جاليتها. فالمغاربة المقيمون بالخارج لم يكونوا يوماً مجرد مصدر للتحويلات المالية، بل هم أيضاً رأسمال بشري وثقافي ودبلوماسي بالغ الأهمية.
وقد أثبتت التجربة أن الجالية لعبت دوراً محورياً في الدفاع عن المصالح العليا للمغرب في العديد من القضايا الدولية، كما ساهمت في نقل صورة إيجابية عن البلاد داخل المجتمعات الأوروبية والأمريكية. ولذلك فإن أي خطاب ينتقص من قيمة هذه الجهود، أو يُفهم على أنه تقليل من تضحياتها، يهدد بإحداث شرخ رمزي بين الدولة وجزء أساسي من مواطنيها.
الحاجة إلى مراجعة شاملة
إن الجدل الحالي قد يشكل فرصة لإعادة التفكير في النموذج المؤسساتي المعتمد لتدبير قضايا الجالية. فبدلاً من الاكتفاء بمؤسسات شكلية أو تمثيلية رمزية، يبدو أن الحاجة أصبحت ملحة لإرساء آليات ديمقراطية حقيقية تمنح مغاربة العالم صوتاً فعلياً في السياسات التي تمسهم.
فالجالية المغربية ليست مجرد ملف إداري، بل هي جزء حي من الأمة المغربية. وحين يشعر هذا الجزء بأنه غير محترم أو غير ممثل، فإن ذلك لا يضعف فقط الثقة في المؤسسات، بل يضعف أيضاً أحد أهم جسور المغرب مع العالم.
وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال الجوهري: هل ستظل الجالية المغربية مجرد قوة اقتصادية صامتة، أم أن الوقت قد حان لكي تتحول إلى فاعل مؤسساتي حقيقي داخل معادلة الدولة والمجتمع؟