في السياسة، كما في التجارة، هناك دائماً من يختار السوق الأكثر ربحاً. وبعضهم، حين تضيق به الأسواق الشريفة، يكتشف فجأة أن أسهل طريق إلى الشهرة والمال يمر عبر بوابة واحدة: مهاجمة وطنه.
هكذا ظهرت، خلال السنوات الماضية، فئة خاصة يمكن وصفها بـ«المعارضة المهنية في المنفى»؛ أفراد قرروا أن يضعوا أيديهم في يد جنرالات الجزائر وعصابة البوليساريو، لا حباً في الديمقراطية ولا دفاعاً عن حقوق الإنسان، بل لأن حسابات الغاز والبترول تبدو أحياناً أكثر إغراءً من حسابات الضمير.
هؤلاء لم يكونوا يوماً فاعلين سياسيين حقيقيين، ولا معارضين ذوي مشروع فكري. كانوا، ببساطة، مقاولين في سوق الشتائم السياسية، يعيشون في شقق أوروبية متواضعة، ويملؤون ساعاتهم الطويلة ببث مباشر على منصات التواصل الاجتماعي، يهاجمون فيه كل ما يرمز إلى المغرب: مؤسساته، رموزه، وأولاً وقبل كل شيء وحدته الترابية.
المعارضة كوظيفة موسمية
المثير في هذه الظاهرة ليس وجود معارضة — فالمعارضة جزء طبيعي من أي حياة سياسية — بل طبيعة هذه «المعارضة» التي تحولت إلى وظيفة ممولة من خارج الحدود.
ففي الوقت الذي كان فيه المغرب يراكم دعماً دولياً متزايداً لمبادرة الحكم الذاتي في الصحراء، كانت هذه الشخصيات تقضي وقتها في استوديوهات اليوتيوب، تتحدث بثقة الخبراء عن «انهيار الدولة» و«نهاية النظام»، وكأنها تستعد لكتابة مذكرات تاريخية عن دولة لم تنهَر إلا في خيالهم.
أما التمويل، فكان يأتي من حيث تتوفر الوفرة: خزائن الغاز والبترول لدى النظام الجزائري، الذي وجد في بعض هؤلاء أداة دعائية منخفضة التكلفة، قادرة على إحداث ضجيج إعلامي دون أن تكلف أكثر من بضعة تحويلات مالية وبعض الدعوات إلى قنوات فضائية هامشية.
حالة الراضي الليلي: من الإعلام إلى منصات الضجيج
ومن بين الأسماء التي أثارت جدلاً واسعاً في هذا السياق اسم الصحفي السابق محمد الراضي الليلي. فقد تحول الرجل، الذي كان في مرحلة من مساره المهني جزءاً من المشهد الإعلامي المغربي، إلى واحد من أكثر الأصوات حضوراً في المنصات الرقمية التي تبث خطاباً عدائياً تجاه المغرب ومؤسساته.
هذا التحول لم يكن مجرد انتقال مهني عادي من الإعلام التقليدي إلى الإعلام الرقمي، بل أصبح — في نظر كثيرين — مثالاً صارخاً على ظاهرة «المعارضة الممولة»، حيث تتقاطع خطابات بعض المنصات مع السرديات التي تروج لها الدعاية الجزائرية وأبواق البوليساريو. ومع مرور الوقت، بدا أن الخط التحريري الذي يتبناه الراضي الليلي لم يعد مجرد نقد سياسي، بل تحول إلى هجوم ممنهج يستهدف رموز الدولة ووحدتها الترابية، في خطاب ينسجم بشكل لافت مع الأجندة الإعلامية لأجهزة المخابرات الجزائرية.
المنفى المريح… والعزلة الصامتة
لكن الزمن السياسي لا يرحم كثيراً أولئك الذين يراهنون على الأوهام الجيوسياسية. فاليوم، يعيش كثير من هؤلاء في عزلة واضحة داخل البلدان الأوروبية التي يقيمون فيها. لا حضور أكاديمي، ولا تأثير سياسي، ولا حتى وزن حقيقي داخل الجاليات المغربية.
كل ما تبقى هو جمهور صغير من المتابعين الفضوليين الذين يتعاملون مع خطاباتهم أحياناً كنوع من الترفيه السياسي أكثر منه تحليلاً جاداً.
إنها مفارقة قاسية: أشخاص قدموا أنفسهم يوماً كـ«معارضين تاريخيين»، انتهى بهم الأمر إلى مجرد صناع محتوى سياسي غاضب، يعيشون على هامش المشهدين المغربي والأوروبي في آن واحد.
بعد القرار الأممي… ماذا بقي؟
غير أن السؤال الحقيقي لا يتعلق بالماضي، بل بالمستقبل.
فإذا كان المشهد الدولي يتجه تدريجياً نحو تكريس سيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، وإذا كانت الضغوط الدولية تدفع عصابة البوليساريو وممولتها الجزائر إلى العودة إلى طاولة الحوار، فإن السؤال الذي يطرح نفسه بجدية هو: ماذا سيتبقى لهؤلاء بعد نهاية القضية التي عاشوا عليها سنوات؟
بمعنى آخر: ماذا يفعل محترفو الهجوم على المغرب عندما يفقدون موضوع الهجوم؟
ففي السياسة، كما في المسرح، لا يمكن للممثل أن يستمر في أداء الدور نفسه بعد انتهاء العرض.
نهاية الوظيفة
الاحتمال الأكثر واقعية هو أن يجد كثير من هؤلاء أنفسهم أمام مأزق وجودي بسيط: القضية التي كانوا يتاجرون بها انتهت، والجهة التي كانت تمول الضجيج الإعلامي قد تبحث عن أدوات جديدة.
وعند تلك اللحظة، قد يكتشف بعضهم فجأة فضيلة قديمة اسمها «طلب العفو».
غير أن العودة إلى الوطن ليست دائماً مسألة تقنية تتعلق بتذكرة طائرة. إنها، قبل كل شيء، مسألة ذاكرة جماعية.
فالمغرب، الذي واجه لعقود حرباً سياسية ودبلوماسية حول وحدته الترابية، لا يمكنه أن يتعامل بخفة مع أولئك الذين اختاروا طوعاً الاصطفاف في معسكر خصومه.
بين الوطن والارتزاق
في النهاية، يبقى الفرق واضحاً بين المعارضة الوطنية — التي تنتقد من داخل البيت المغربي وتسعى إلى إصلاحه — وبين الارتزاق السياسي الذي يباع فيه الوطن مقابل حفنة من الدولارات النفطية.
الأولى حق ديمقراطي مشروع، بل ضرورة سياسية.
أما الثانية، فهي مجرد تجارة قصيرة العمر.
ومثل كل تجارة مبنية على الأوهام، تنتهي عادة بالمشهد نفسه:
تاجر سابق، سلعة انتهت صلاحيتها… وسوق لم يعد بحاجة إليه.