المغرب ومسار مدريد: دينامية جديدة في ملف الصحراء وتأثيرها الجيوستراتيجي

بوشعيب البازي

استثمر المغرب نجاحاته الدبلوماسية الأولى إلى أقصى حد، مستفيدًا ببراعة من عودة دونالد ترامب إلى الساحة الأمريكية لتحقيق مكاسب جديدة على المستويين الإقليمي والدولي. لم تقتصر هذه المكاسب على التنظيم الناجح لكأس أمم إفريقيا، الذي أظهر للعالم، بما في ذلك اللاعبين والمشجعين الجزائريين، مستوى التنمية والاحترافية في المغرب وكرم ضيافة شعبه، بل امتدت إلى البعد السياسي من خلال التصويت على قرار مجلس الأمن رقم 2797، الذي أطلق ما يعرف بـ «مسار مدريد» لتسوية النزاع حول الصحراء المغربية.

خلفية تاريخية: الحدود والميراث الاستعماري

إن مسألة الحدود بين المغرب والجزائر ليست جديدة، بل تعود جذورها إلى فترة الاستعمار الفرنسي، حيث رسمت باريس الحدود بما يتوافق مع مصالحها، وخصوصًا في جنوب الجزائر. المنطقة التي تضم بشار وتندوف كانت محل نزاع دائم، إذ لم يكن الخط الفاصل بين المغرب والجزائر محددًا إلا على طول 165 كيلومترًا، فيما بقي الباقي غامضًا وغير مأهول. ولم تتطابق خرائط «فارنييه» (1912) و«ترينكيت» (1938)، ولم تُلحَق منطقتا تندوف وبشار رسميًا بعمالة وهران إلا عام 1952.

بعد استقلال المغرب عام 1956، طالب الملك محمد الخامس فرنسا بإعادة ترسيم الحدود، في حين رفضت السلطة الجزائرية الجديدة بعد عام 1962 إعادة التفاوض، ما أدى إلى تصاعد التوترات، والتي بلغت ذروتها في «حرب الرمال» عام 1963، قبل أن يتحول النزاع لاحقًا إلى ملف الصحراء المغربية بعد الاستقلال الإسباني لمنطقة الصحراء، حيث نظمت «المسيرة الخضراء» اتفاقية لتقاسم المستعمرة بين المغرب وموريتانيا، في مواجهة رفض الجزائر ودعمها لجبهة البوليساريو.

دينامية جديدة: اتفاقات أبراهام ومسار مدريد

شكلت إدارة ترامب الأولى نقطة تحول، من خلال توقيع اتفاقات أبراهام مع المغرب، والتي أظهرت الالتزام الأمريكي بدعم المملكة، مقابل استئناف العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل. ومنذ ذلك الحين، استثمر المغرب الزخم الدبلوماسي لاستقطاب دعم معظم القوى الكبرى، بما في ذلك إسبانيا، المملكة المتحدة، ثم فرنسا، وبلجيكا، ما عزز موقف المملكة على الصعيد الدولي وجعل الجزائر معزولة في دعمها للبوليساريو.

استغلال المغرب لعودة ترامب تجلى بوضوح في صدور القرار رقم 2797، الذي أطلق «مسار مدريد»، حيث اجتمع لأول مرة الأطراف المعنية: المغرب، الجزائر، البوليساريو، وموريتانيا، تحت رعاية الحكومة الأمريكية. هذا اللقاء أظهر للمرة الأولى أن المبادرة المغربية للحكم الذاتي أصبحت قاعدة العمل الوحيدة المقبولة، فيما تراجعت الأطروحات الانفصالية أمام ضغط ميزان القوى الدولي الذي فرضته واشنطن.

اعتراف ضمني بمغربية الأقاليم الجنوبية:

جاء القرار 2797 كاعتراف ضمني بخطة الحكم الذاتي المغربية كأساس للعمل، ما يمهد لتنفيذ عملية سياسية عملية وواقعية.

الضغط الأمريكي على الجزائر:

تولت الولايات المتحدة زمام العملية بدعوة الأطراف إلى سفارتها في مدريد، ما وضع الجزائر تحت ضغط مباشر لوقف سياسة الإنكار، وكشف دور البوليساريو كأداة في يد الدولة الجزائرية.

تعجيل العملية السياسية:

تظهر واشنطن اهتمامًا جادًا بإنهاء النزاع الطويل، عبر ضغوط لإرساء اللجنة التقنية المكلفة بصياغة الاتفاق الإطاري سريعًا.

مكاسب دبلوماسية للمغرب:

يمثل الاجتماع انتصارًا دبلوماسيًا للمغرب، إذ أصبح موقفه هو الأساس الوحيد للعمل، ويعكس عزلة الجزائر وتراجعها عند مواجهة ميزان قوة دولي صارم.

آفاق جديدة للعلاقات المغاربية:

إذا نجحت واشنطن في تحقيق نتائج ملموسة بحلول الربيع المقبل، فقد تمهّد هذه الخطوة لانطلاقة مرحلة جديدة في العلاقات بين المغرب والجزائر، مع إمكانية إعادة رسم ديناميات التعاون والاستقرار في شمال إفريقيا.

يعكس نجاح المغرب في استثمار السياق الدولي الحالي قدرة عالية على تحويل الزخم الدبلوماسي والسياسي إلى مكاسب استراتيجية ملموسة. ويبرهن «مسار مدريد» على أن المبادرة المغربية للحكم الذاتي لم تعد خيارًا من بين عدة حلول، بل أصبحت المعيار الدولي الوحيد المقبول، في حين تتراجع الأطروحات الانفصالية أمام واقع جديد يُعيد رسم موازين القوى في المنطقة، ويؤسس لمرحلة أكثر نضجًا في العلاقات المغاربية والدور الاستراتيجي للمغرب على المستوى الدولي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com