المغرب وفرنسا: نحو معاهدة استراتيجية جديدة تعيد رسم توازنات الشراكة في الفضاء المتوسطي والأطلسي

بوشعيب البازي

بروكسل – في لحظة دولية تتسم بتسارع التحولات الجيوسياسية وتزايد التنافس بين القوى الكبرى على مناطق النفوذ، تبدو العلاقات المغربية – الفرنسية وكأنها تدخل مرحلة إعادة صياغة عميقة، تتجاوز إطار التعاون التقليدي نحو بناء شراكة إستراتيجية طويلة المدى. هذا ما عكسته المباحثات التي جمعت وزير الشؤون الخارجية المغربي ناصر بوريطة ونظيره الفرنسي جان-نويل بارو في باريس، حيث شدد الجانبان على أهمية الدفع بالشراكة الاستثنائية المعززة بين الرباط وباريس إلى مستويات أكثر عمقا وتكاملا.

اللقاء الذي جرى على هامش القمة العالمية الثانية للطاقة النووية، التي يمثل فيها رئيس الحكومة عزيز أخنوش الملك محمد السادس، لم يكن مجرد محطة دبلوماسية عادية، بل حمل في طياته مؤشرات واضحة على إعادة تموقع استراتيجي للعلاقة الثنائية في ظل السياق الدولي الجديد. فقد عبّر الطرفان عن ارتياحهما للتقدم في التحضيرات الخاصة بعقد الدورة الخامسة عشرة للاجتماع رفيع المستوى بين البلدين في المغرب، وهو الإطار السياسي الذي يشكل الآلية المركزية لتنسيق السياسات الثنائية وتوجيه مسارات التعاون المشترك.

إطار استراتيجي لعقود مقبلة

في موازاة ذلك، أعلن الجانبان عن تشكيل لجنة مشتركة تضم اثنتي عشرة شخصية بارزة من البلدين، مكلفة بصياغة مقترحات حول مستقبل العلاقات الثنائية خلال العقود الثلاثة المقبلة، في خطوة تمهيدية نحو توقيع معاهدة صداقة جديدة بين الرباط وباريس. وبحسب معطيات نشرها موقع “أفريكا إنتلجنس”، فإن هذه اللجنة ستتولى تحديد المحاور الاستراتيجية الكبرى للشراكة المقبلة، بما يشمل الاقتصاد والتكنولوجيا والأمن والدفاع والتعاون الثقافي.

هذا التوجه يعكس رغبة واضحة لدى الطرفين في تجاوز التقلبات الظرفية التي طبعت العلاقات في بعض الفترات، نحو بناء إطار مؤسساتي مستقر قادر على ضمان استمرارية التعاون الاستراتيجي في مواجهة التحولات الدولية.

الصحراء المغربية… ركيزة التفاهم السياسي

سياسيا، شكلت قضية الصحراء المغربية محوراً أساسياً في المباحثات. فقد أكد وزير الخارجية الفرنسي أهمية استئناف المسار السياسي تحت إشراف الأمم المتحدة، مرحباً بالجولات التفاوضية التي احتضنتها كل من مدريد وواشنطن، ومشيراً إلى أن القرار 2797 الصادر عن مجلس الأمن يوفر إطاراً واضحاً لإحياء العملية السياسية.

كما شدد بارو على أن البحث عن حل واقعي للنزاع ينبغي أن يتم على أساس مقترح الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب، وهو الموقف الذي يعكس تطوراً ملحوظاً في المقاربة الفرنسية للملف، ويعزز التقارب السياسي بين البلدين في إحدى أكثر القضايا حساسية في المنطقة المغاربية.

المغرب كجسر جيوسياسي بين أوروبا وأفريقيا

في قراءة جيوستراتيجية لهذه التطورات، يرى الباحث في الشؤون الإستراتيجية هشام معتضد أن هذه المباحثات تعكس التزاماً واضحاً من الطرفين بإقامة شراكة استثنائية قادرة على التكيف مع التحولات الإقليمية والدولية. ويشير إلى أن هذه الشراكة تقوم على مبادئ الاحترام المتبادل والمساواة في السيادة والتشاور المستمر، مع السعي لبناء علاقة مؤسساتية قادرة على الصمود أمام تغيرات السياق السياسي الداخلي، خصوصاً في فرنسا.

ويضيف معتضد أن هذا التقارب يعزز موقع المغرب كجسر استراتيجي بين أوروبا وأفريقيا، ما يسمح للرباط بتوظيف زخم التعاون مع باريس لدعم مشاريعها التنموية وتعزيز حضورها الإقليمي في القارة الأفريقية. كما يشكل هذا التعاون دعماً لمبادرات الملك محمد السادس التنموية في أفريقيا، التي تقوم على الاستثمار في البنى التحتية والشراكات الاقتصادية العابرة للحدود.

الأمن والهجرة… تحديات مشتركة

إلى جانب الأبعاد الاقتصادية والسياسية، تبرز الملفات الأمنية كأحد أعمدة الشراكة الجديدة. فالتعاون في مجالات مكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية والاستقرار الإقليمي في منطقة الساحل يشكل محوراً مركزياً في التنسيق بين البلدين، في ظل التحديات الأمنية المتزايدة التي تواجه أوروبا وأفريقيا على حد سواء.

ويرى مراقبون أن هذا البعد الأمني يمنح المغرب موقعاً متقدماً كشريك أساسي لأوروبا في إدارة الأزمات الإقليمية، خصوصاً في فضاء الساحل والصحراء الذي يشهد تصاعداً في التهديدات الإرهابية وتنامي نفوذ شبكات الجريمة العابرة للحدود.

نحو معاهدة صداقة جديدة

وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد اقترح خلال زيارته الرسمية إلى المغرب في أكتوبر 2024 إنشاء إطار استراتيجي ثنائي جديد يواكب التحولات الجارية. وفي خطاب ألقاه أمام البرلمان المغربي آنذاك، دعا إلى إبرام معاهدة جديدة بين البلدين بعد مرور سبعين عاماً على اتفاقية “سان-كلو”، معتبراً أن المغرب سيكون أول دولة خارج الاتحاد الأوروبي ترتبط مع فرنسا بهذا المستوى من الكثافة في التعاون الاستراتيجي.

كما جددت باريس التزامها بمواكبة جهود المغرب التنموية في الأقاليم الجنوبية، مؤكدة رغبتها في الاستمرار في دعم المشاريع الاقتصادية والاجتماعية التي تشهدها هذه المناطق.

شراكة في زمن التحولات الدولية

في السياق الدولي المتقلب، تبدو هذه الدينامية الجديدة في العلاقات المغربية – الفرنسية انعكاساً لوعي متزايد لدى الطرفين بأهمية إعادة صياغة تحالفاتهما الاستراتيجية. فباريس تسعى إلى تعزيز حضورها في أفريقيا والمتوسط عبر شريك إقليمي موثوق، بينما يعمل المغرب على تنويع شراكاته الدولية وترسيخ موقعه كفاعل محوري في الفضاءين الأفريقي والأطلسي.

وبين رهانات الأمن والتنمية والجغرافيا السياسية، يبدو أن الرباط وباريس تتجهان نحو مرحلة جديدة من التعاون، قد تعيد رسم ملامح التوازنات الدبلوماسية في غرب المتوسط، وتمنح الشراكة بين البلدين بعداً استراتيجياً يتجاوز حدود العلاقات الثنائية نحو التأثير في معادلات الإقليم بأكمله.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com