تجارة رمضان: عندما يتحول “ماء زمزم” إلى مشروع استثماري بربحية تفوق البورصات

حنان الفاتحي

Screenshot

بروكسل : في زمن الأزمات الاقتصادية وارتفاع أسعار الطاقة والمواد الغذائية، يبدو أن بعض العباقرة اكتشفوا أخيراً قطاعاً استثمارياً لا يعرف الركود ولا التضخم ولا الرقابة الضريبية: الدين. نعم، الدين، ولكن في نسخته “المقاولاتية” الحديثة، حيث تتحول المساجد في بعض المدن الأوروبية خلال شهر رمضان إلى ما يشبه صناديق استثمار موسمية، تُدار بعقلية تجارية لا تخلو من الإبداع.

أحدث الابتكارات في هذا المجال هو تسويق قنينة من ماء زمزم بسعر لا يقل عن 1500 يورو. نعم، ألف وخمسمائة يورو مقابل قنينة ماء. ولأن المعجزة لا تأتي وحدها، فإن التسويق يُقدَّم غالباً في قالب روحاني مؤثر: “هذه فرصة لنيل الأجر العظيم، والمساهمة في بناء بيت من بيوت الله”. أما التفاصيل التجارية الدقيقة فتُدار في الخلفية بهدوء شديد، وكأن الأمر يتعلق بعملية مصرفية دقيقة لا بعمل خيري.

المفارقة أن هذه العمليات لا تُدار دائماً من داخل الحي نفسه، بل إن بعض “الخبراء” في هذا النوع من التدبير المالي الديني يتحركون بين إسبانيا والمغرب، حيث يشرفون على تنظيم عمليات جمع التبرعات ويقتطعون، بكل تواضع، نسبة تصل إلى 10 في المئة من الأموال المجموعة. نسبة قد تبدو صغيرة، لكنها تتحول بسرعة إلى أرباح محترمة عندما تكون المداخيل بعشرات أو مئات الآلاف من اليوروهات خلال شهر واحد فقط.

رمضان… موسم مالي لا يضاهى

شهر رمضان، الذي يفترض أن يكون موسماً للتضامن والسكينة الروحية، تحول لدى بعض المتخصصين في “اقتصاد البركة” إلى موسم مالي بامتياز. ففي بعض المساجد، يجد المصلّي نفسه أمام ما يشبه اشتراكاً غير معلن، أو ما يُعرف في الأوساط المحلية بـ“الشرط”، والذي قد يصل إلى 180 يورو لكل مصلٍّ خلال الشهر الكريم.

العملية تُقدَّم بطبيعة الحال على أنها مساهمة طوعية، لكن المصلّي سرعان ما يكتشف أن الطوعية هنا مفهوم مرن جداً. فالنظرات المتكررة، والخطب المؤثرة، والتذكير المستمر بفضائل الصدقة، كلها أدوات ضغط نفسي تجعل كثيرين يشعرون بأن عدم الدفع قد يضعهم في خانة المقصّرين دينياً.

وهكذا يتحول المسجد، في بعض الحالات، إلى فضاء حيث يجد المؤمن نفسه مدفوعاً إلى التبرع لا بدافع القناعة فقط، بل أيضاً تحت تأثير ضغط جماعي خفي، لا يخلو أحياناً من مهارة تسويقية عالية.

الذهب أيضاً في قائمة التبرعات

ولأن الابتكار لا يتوقف عند بيع الماء المبارك، فإن بعض الحملات الرمضانية توسّعت لتشمل أيضاً التبرع بالذهب. ففي مشاهد تتكرر كل عام تقريباً، تجد بعض النساء أنفسهن تحت تأثير خطاب ديني مكثف يدعو إلى “التضحية بما هو عزيز في سبيل الله”.

وفي ظل أجواء روحانية مشحونة بالعاطفة، قد تتحول الحليّ الذهبية التي ترافق صاحبته منذ سنوات إلى تبرع فوري، يُسلَّم بكل ثقة إلى صناديق الجمع. أما السؤال عن مصير هذه التبرعات وكيفية تدبيرها، فيظل في كثير من الأحيان سؤالاً مؤجلاً… أو ربما غير مرغوب فيه.

بين الإيمان والاستثمار

لا أحد يجادل في أن الصدقة ركن أساسي من قيم التضامن في الإسلام، وأن المساجد تحتاج بالفعل إلى دعم مالي لتسيير أنشطتها وخدمة الجالية. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول العمل الديني إلى منظومة مالية مغلقة، تُدار بمنطق الأرباح والعمولات والوساطة العابرة للحدود.

عندها يصبح السؤال مشروعاً: هل نحن أمام عمل خيري أم أمام سوق موسمية تستغل حساسية المؤمنين خلال شهر رمضان؟

فحين يصل ثمن قنينة ماء إلى 1500 يورو، ويصبح لكل مصلٍّ “مساهمة” شبه إلزامية، وتدخل العمولات في الحسابات، يبدو أن بعض المتاجرين بالدين نجحوا في تحقيق ما عجزت عنه كبريات الشركات: اقتصاد قائم بالكامل على الثقة العمياء والعاطفة الدينية.

وربما لو كان هناك مؤشر اقتصادي خاص بهذا القطاع، لكان أداؤه في شهر رمضان أفضل بكثير من مؤشرات البورصات العالمية. الفرق الوحيد أن المستثمر هنا ليس من يملك المال… بل من يملك الضمير.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com