كوبا بين ضغوط واشنطن وتحديات الداخل: مقاربة حذرة لتفادي السيناريو الفنزويلي والإيراني
بوشعيب البازي
في سياق دولي يتسم بتصاعد التوترات الجيوسياسية وتزايد المنافسة بين القوى الكبرى، تبدو كوبا اليوم أمام مرحلة دقيقة من تاريخها السياسي والدبلوماسي. فالدولة الكاريبية التي عاشت عقوداً طويلة تحت وطأة العزلة والعقوبات الأميركية، بدأت تُظهر مؤشرات على مقاربة أكثر براغماتية في تعاملها مع واشنطن، في محاولة لتفادي سيناريوهات تصعيدية شهدتها دول أخرى مثل فنزويلا أو إيران.
وتأتي هذه التحركات في ظل تصريحات متشددة صدرت عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أعاد فيها طرح الملف الكوبي ضمن أولويات السياسة الخارجية الأميركية في القارة الأميركية. فقد اعتبر ترامب أن كوبا “تعيش لحظاتها الأخيرة”، متوقعاً “تغييرات كبيرة” في بنية النظام السياسي هناك، في تصريحات فهم منها مراقبون أنها قد تعكس توجهاً نحو تشديد الضغوط السياسية والاقتصادية على هافانا.
براغماتية كوبية في مواجهة الضغوط
في هذا المناخ المتوتر، أعلن الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل أن مسؤولين كوبيين أجروا مؤخراً محادثات مع ممثلين عن الحكومة الأميركية، في خطوة تعكس تحوّلاً نسبياً في المقاربة الدبلوماسية الكوبية. وأوضح أن هذه اللقاءات تهدف إلى البحث عن حلول عبر الحوار لكافة الخلافات الثنائية القائمة بين البلدين.
وتحمل هذه التصريحات دلالات سياسية لافتة، إذ تعكس استعداد هافانا لتبني نهج أكثر مرونة في إدارة علاقتها التاريخية المتوترة مع الولايات المتحدة، خلافاً للخطاب التقليدي الذي ميّز الدولة الشيوعية منذ انتصار الثورة الكوبية عام 1959.
ويرى عدد من المحللين أن هذا التحول لا يعكس بالضرورة تغيراً أيديولوجياً عميقاً بقدر ما يمثل استجابة واقعية للضغوط الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة داخل البلاد. فاقتصاد الجزيرة يعاني من أزمة هيكلية حادة نتيجة تراكم العقوبات الأميركية وتراجع الدعم الخارجي، إضافة إلى تداعيات الأزمات العالمية على قطاعات حيوية مثل السياحة والطاقة.
هاجس السيناريو الفنزويلي
أحد العوامل التي تفسر هذا الانفتاح الحذر على الحوار مع واشنطن يتمثل في مخاوف القيادة الكوبية من تكرار السيناريو الفنزويلي. فقد شهدت فنزويلا خلال السنوات الماضية تصعيداً غير مسبوق في المواجهة مع الولايات المتحدة، انتهى بتدخلات سياسية وأمنية مباشرة في المشهد الداخلي الفنزويلي.
ويرى مراقبون أن تصريحات ترامب حول إمكانية “السيطرة الودية” على كوبا، إضافة إلى تكليف وزير الخارجية ماركو روبيو بمتابعة الملف الكوبي، تشير إلى أن الإدارة الأميركية تدرس خيارات متعددة للتعامل مع الوضع في الجزيرة.
وفي هذا السياق، يعتقد بعض المحللين أن واشنطن قد تسعى إلى ممارسة ضغوط سياسية واقتصادية متزايدة بهدف إحداث تحول في النظام السياسي الكوبي، على غرار ما حدث في ملفات أخرى في أميركا اللاتينية.
البعد الجيوسياسي: مواجهة النفوذ الصيني
لا يمكن فصل التطورات الأخيرة في الملف الكوبي عن السياق الأوسع للمنافسة الجيوسياسية بين الولايات المتحدة والصين في أميركا اللاتينية. فواشنطن تنظر بقلق متزايد إلى تنامي الحضور الاقتصادي والسياسي لبكين في المنطقة، وهو ما يدفعها إلى إعادة ترتيب أولوياتها الاستراتيجية في محيطها الإقليمي.
ومن هذا المنظور، قد يشكل الملف الكوبي جزءاً من استراتيجية أميركية أوسع تهدف إلى الحد من توسع النفوذ الصيني في منطقة الكاريبي وأميركا اللاتينية.
دعم محدود من الحلفاء التقليديين
في المقابل، لا تمتلك كوبا شبكة واسعة من الحلفاء القادرين على موازنة الضغوط الأميركية. فرغم استمرار الدعم السياسي والدبلوماسي من جانب روسيا، يبقى هذا الدعم محدود التأثير في ظل التعقيدات الجيوسياسية التي تواجهها موسكو على الساحة الدولية.
وفي هذا الإطار، نددت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا بما وصفته بتهديدات وابتزازات ترامب تجاه كوبا، مؤكدة أن موسكو ستواصل تقديم الدعم السياسي والدبلوماسي لهافانا، مع الدعوة إلى حل دبلوماسي للتوتر القائم مع واشنطن.
بين الواقعية السياسية وحسابات البقاء
في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن القيادة الكوبية تحاول انتهاج مقاربة واقعية تقوم على موازنة دقيقة بين الحفاظ على سيادة النظام السياسي من جهة، وتجنب الدخول في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة من جهة أخرى.
فالتحولات الجارية تشير إلى أن هافانا تدرك أن استمرار العزلة الدولية والضغوط الاقتصادية قد يهدد استقرارها الداخلي، وهو ما يدفعها إلى اختبار مسار الحوار كخيار استراتيجي لتخفيف التوترات.
وبين حسابات الجغرافيا السياسية وضغوط الاقتصاد الداخلي، تجد كوبا نفسها اليوم أمام مفترق طرق تاريخي قد يعيد رسم معالم علاقتها مع الولايات المتحدة، ويحدد في الوقت ذاته مستقبل النظام السياسي في الجزيرة الكاريبية