المغرب والخليج: حين يتحوّل التضامن العربي إلى معادلة جيوستراتيجية للأمن الإقليمي

بوشعيب البازي

بروكسل: في لحظة إقليمية تتسم بتصاعد منسوب التوترات الأمنية في الشرق الأوسط، على خلفية الهجمات الإيرانية التي استهدفت عدداً من دول الخليج، أعاد المغرب التأكيد على موقعه ضمن معادلة التوازنات العربية، معلناً دعمه الواضح لأمن واستقرار المنطقة الخليجية. غير أن هذا الموقف لا يمكن قراءته في إطار التضامن السياسي التقليدي فحسب، بل يندرج ضمن رؤية جيوستراتيجية أوسع ترى أن أمن الخليج أصبح جزءاً لا يتجزأ من منظومة الأمن العربي الشامل.

هذا الإدراك عبّر عنه وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج ناصر بوريطة خلال الاجتماع الوزاري المشترك الثامن بين المغرب ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، الذي انعقد عبر تقنية الاتصال المرئي، حيث شدد على الدعم الكامل للمملكة المغربية للدول الخليجية في مواجهة ما وصفه بالعدوان الإيراني غير المبرر، مؤكداً أن الرباط تقف إلى جانب هذه الدول في كل الإجراءات التي تتخذها للدفاع عن سيادتها وضمان أمن مواطنيها والمقيمين على أراضيها.

غير أن أهمية هذا التصريح لا تكمن فقط في مضمونه السياسي، بل في الدلالات الاستراتيجية التي يحملها. فالمغرب، وفق المقاربة التي طرحها بوريطة، لم يعد ينظر إلى علاقته بدول الخليج باعتبارها علاقة تضامن دبلوماسي ظرفي، بل شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد تقوم على تقاطع المصالح ووحدة التحديات.

الأمن الخليجي ضمن معادلة الأمن العربي

تكتسب هذه المقاربة أهمية متزايدة في ظل التحولات الجيوسياسية التي يشهدها الشرق الأوسط، حيث لم تعد التهديدات الأمنية مقتصرة على المواجهات العسكرية المباشرة، بل أصبحت تشمل أبعاداً اقتصادية وتكنولوجية وأمنية متشابكة.

وفي هذا السياق، شدد بوريطة على أن مفهوم الأمن القومي في المنطقة لم يعد يقتصر على البعد العسكري، بل أصبح يرتبط أيضاً بقدرة الدول على تحقيق الصمود الاقتصادي وضمان الاستقرار الاجتماعي وتأمين احتياجات شعوبها في أوقات الأزمات.

هذا التحول في التفكير الاستراتيجي يعكس إدراكاً متزايداً بأن قضايا الطاقة وسلاسل الإمداد والأمن الغذائي باتت عناصر مركزية في معادلة الأمن القومي. فالأزمات الجيوسياسية الحديثة لم تعد تقاس فقط بعدد الصواريخ أو حجم الجيوش، بل أيضاً بقدرة الدول على حماية اقتصاداتها واستقرار مجتمعاتها في ظل الاضطرابات العالمية.

الدبلوماسية الملكية ورسائل التضامن

ضمن هذا السياق، اكتسبت الاتصالات الهاتفية التي أجراها العاهل المغربي الملك محمد السادس مع عدد من قادة دول الخليج عقب الهجمات الإيرانية دلالة سياسية خاصة. فهذه الخطوة لم تكن مجرد مجاملة دبلوماسية، بل رسالة استراتيجية تؤكد أن الرباط تقف إلى جانب حلفائها في لحظات الأزمات.

كما تعكس هذه المبادرة طبيعة العلاقات الخاصة التي تربط المغرب بدول الخليج، وهي علاقات لا تقوم فقط على المصالح السياسية، بل أيضاً على روابط شخصية وثقة متبادلة بين القيادات.

ويعود جزء من هذا التقارب إلى الرؤية التي سبق أن عبّر عنها الملك محمد السادس خلال القمة المغربية الخليجية سنة 2016، حين أكد أن العلاقات بين المغرب ودول الخليج تقوم على وحدة القيم والمصالح والتحديات، خصوصاً في المجال الأمني.

وقد شكلت تلك القمة نقطة تحول في مسار الشراكة بين الجانبين، إذ انتقلت العلاقات من مستوى التنسيق السياسي إلى مستوى التعاون الاستراتيجي المؤسسي، من خلال الاجتماعات الدورية وخطط العمل المشتركة.

تضامن سياسي… وتكامل اقتصادي

في المقابل، عبّر وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي عن تقديرهم للمواقف المغربية، معتبرين أن دعم الرباط يعكس عمق العلاقات التاريخية التي تربط المغرب بدول الخليج، كما يجسد خصوصية الروابط السياسية والشخصية التي تجمع الملك محمد السادس بقادة هذه الدول.

وأكدوا أن هذا التضامن يعزز الجهود المشتركة الرامية إلى ترسيخ الاستقرار الإقليمي وتعزيز الشراكة الاستراتيجية بين الجانبين.

وفي هذا الإطار، أعلن بوريطة عن تمديد خطة العمل المشتركة بين المغرب ودول الخليج لتشمل الفترة بين 2025 و2030، مع التركيز على توسيع التعاون الاقتصادي والاستثماري.

كما دعا إلى تعزيز دور القطاع الخاص والصناديق السيادية في دعم المشاريع المشتركة، بما يسهم في ترسيخ التكامل الاقتصادي بين الجانبين وتعزيز متانة الشراكة الاستراتيجية.

قراءة جيوسياسية للموقف المغربي

يرى أستاذ العلاقات الدولية خالد شيات أن الاجتماع الوزاري المشترك يعكس مستوى عالياً من الثقة والتنسيق بين المغرب ودول الخليج، مشيراً إلى أن تضامن الرباط مع حلفائها الخليجيين يندرج ضمن رؤية استراتيجية تهدف إلى دعم استقرار المنطقة العربية.

وأوضح أن وجود قواعد عسكرية أميركية في بعض الدول الخليجية لا يمنح إيران مبرراً لاستهداف هذه الدول، خصوصاً أن بعضها يحتفظ في الوقت نفسه بعلاقات دبلوماسية مع طهران.

ومن هذا المنظور، فإن الموقف المغربي لا يمكن فصله عن التحولات الكبرى التي يشهدها النظام الإقليمي في الشرق الأوسط. فالرباط تدرك أن استقرار الخليج يشكل ركناً أساسياً من استقرار النظام العربي ككل، وأن أي خلل في هذه المنطقة قد تكون له تداعيات واسعة على التوازنات الإقليمية.

نحو منظومة تعاون عربي أكثر تماسكاً

في ضوء هذه المعطيات، يؤكد المغرب أن أمن الخليج يشكل جزءاً من أمنه القومي، وهو ما يفسر مواقفه الداعمة للدول الخليجية في مواجهة التهديدات التي تستهدف سيادتها واستقرارها.

كما تسعى الرباط إلى تعزيز التنسيق العربي في مواجهة التحديات الإقليمية، انطلاقاً من قناعة مفادها أن التحولات الجيوسياسية المتسارعة في المنطقة تجعل من التعاون العربي ضرورة استراتيجية لا خياراً سياسياً.

ومن هنا، فإن الشراكة المغربية الخليجية لم تعد مجرد إطار للتشاور الدبلوماسي، بل أصبحت جزءاً من هندسة إقليمية جديدة تقوم على مبدأ تقاسم المسؤوليات في حماية الاستقرار الإقليمي.

في عالم تتغير فيه موازين القوى بسرعة غير مسبوقة، يبدو أن الرباط تراهن على ترسيخ موقعها كشريك استراتيجي موثوق في معادلات الأمن العربي، مستندة إلى دبلوماسية نشطة ورؤية سياسية ترى أن التضامن بين الدول العربية لم يعد شعاراً سياسياً، بل ضرورة جيوستراتيجية في زمن الأزمات المتعددة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com