الهدي النبوي وبناء الأسرة المتماسكة محور ندوة علمية بمسجد التوبة في بروكسل
بوشعيب البازي
بروكسيل – في إطار البرنامج الرمضاني الذي تنظمه مؤسسة تجمع مسلمي بلجيكا خلال شهر رمضان، احتضن مسجد التوبة ندوة علمية وفكرية رفيعة المستوى تحت عنوان “الهدي النبوي وأثره في بناء الأسرة المتماسكة: مقاربات تربوية واجتماعية في ضوء السيرة النبوية”، وذلك بحضور ثلة من العلماء والباحثين والمهتمين بقضايا الأسرة المسلمة في السياق الأوروبي.
وقد شكل هذا اللقاء العلمي، الذي احتضنته العاصمة البلجيكية بروكسيل، محطة فكرية مهمة ضمن سلسلة الأنشطة الثقافية والدعوية التي تسعى من خلالها المؤسسة المنظمة إلى تعزيز الوعي الديني الرشيد وربط الجاليات المسلمة في أوروبا بالقيم التربوية المستمدة من سيرة النبي محمد، بما يواكب التحولات الاجتماعية والثقافية التي يعيشها المسلمون في المجتمعات الغربية.
مقاربة علمية لقضايا الأسرة المسلمة في أوروبا
ركزت الندوة على إشكالية محورية تتمثل في كيفية استلهام النموذج النبوي في بناء الأسرة المتماسكة داخل السياق الأوروبي، حيث تواجه الأسر المسلمة تحديات متعددة ترتبط بالاندماج الاجتماعي، وتوازن الهوية، وتربية الأجيال الجديدة في بيئة ثقافية متعددة المرجعيات.
وفي هذا السياق، قدم الباحث الدكتور عبد الواحد بوشداق مداخلة تناولت التحولات الاجتماعية التي تعيشها الأسرة المسلمة في أوروبا، مشيراً إلى أن التحولات الثقافية والقيمية المتسارعة تفرض على المؤسسات الدينية والجمعيات المدنية تطوير مقاربات تربوية جديدة تعزز الاستقرار الأسري وتدعم منظومة القيم الإسلامية في إطار احترام القوانين والمؤسسات الأوروبية.
وأوضح المتدخل أن الأسرة المسلمة في أوروبا لم تعد فقط فضاءً اجتماعياً تقليدياً، بل أصبحت مجالاً لتفاعل هويات متعددة، الأمر الذي يستدعي تأصيلاً فقهياً وتربوياً يراعي خصوصيات السياق الأوروبي دون التفريط في الثوابت الدينية.
المنهج النبوي في التربية الأسرية
أما المداخلة الثانية التي ألقاها الدكتور الصادق أزام الحساني فقد ركزت على المنهج النبوي في التربية الأسرية، من خلال تحليل عدد من النماذج المستقاة من السيرة النبوية التي تعكس أبعاداً تربوية عميقة في إدارة العلاقات داخل الأسرة.
وأكد المتحدث أن السيرة النبوية تقدم نموذجاً متكاملاً يقوم على الرحمة، والحوار، والعدل، والاحترام المتبادل بين أفراد الأسرة، وهي قيم تربوية يمكن تفعيلها في السياق الأوروبي المعاصر باعتبارها قيماً إنسانية كونية تتقاطع مع المبادئ الأخلاقية المشتركة بين الثقافات.
كما شدد على أن استلهام الهدي النبوي في التربية لا يعني مجرد استحضار النصوص، بل يتطلب قراءة مقاصدية للسيرة النبوية تسمح بتكييف القيم التربوية مع الواقع الاجتماعي المتغير.
الحوار الأسري في السيرة النبوية
المداخلة الثالثة التي قدمها الدكتور عادل فاخر سلطت الضوء على ثقافة الحوار داخل الأسرة في السيرة النبوية، مبرزاً أن الحوار كان أحد الأسس المركزية في بناء العلاقات الأسرية في بيت النبوة.
وأشار الباحث إلى أن السيرة تقدم نماذج متعددة للحوار مع الزوجات والأبناء، تقوم على الاستماع والاحترام وتقدير المشاعر الإنسانية، وهي عناصر ضرورية لتكوين أسرة متوازنة قادرة على مواجهة الضغوط الاجتماعية والثقافية المعاصرة.
كما اعتبر أن تعزيز ثقافة الحوار داخل الأسرة المسلمة في أوروبا يمثل ركيزة أساسية للوقاية من الأزمات الأسرية، خاصة في ظل ما تشهده المجتمعات الغربية من ارتفاع في نسب التفكك الأسري.
دور المؤسسات الدينية في تأطير الجالية
وتندرج هذه الندوة ضمن رؤية أوسع تعتمدها مؤسسة تجمع مسلمي بلجيكا في برامجها الرمضانية، والتي تهدف إلى الجمع بين البعد التعبدي والبعد الفكري والتربوي في الأنشطة الدينية، بما يسهم في بناء وعي ديني متوازن لدى الجالية المسلمة.
ويرى متابعون للشأن الديني في أوروبا أن مثل هذه المبادرات العلمية تكتسي أهمية خاصة، لأنها تفتح فضاءات للحوار الأكاديمي حول قضايا الأسرة والهوية والاندماج، وتساهم في تطوير خطاب ديني معاصر قادر على التفاعل مع تحديات الواقع الأوروبي.
رمضان كفضاء للتجديد الفكري
ولم تعد الأنشطة الرمضانية في أوروبا تقتصر على الجوانب الشعائرية فحسب، بل أصبحت كذلك مناسبة لإحياء النقاشات الفكرية والاجتماعية المرتبطة بمستقبل الجاليات المسلمة ودورها في المجتمعات الأوروبية.
وفي هذا السياق، تعكس الندوة التي نظمها مسجد التوبة ببروكسيل نموذجاً لما يمكن أن تلعبه المؤسسات الدينية من دور في تعزيز الاستقرار الأسري وترسيخ القيم الأخلاقية داخل المجتمعات المسلمة في الغرب.
وبينما تتواصل فعاليات البرنامج الرمضاني للمؤسسة، يبقى الرهان الأساسي هو تحويل المساجد إلى فضاءات للتربية والتفكير والحوار، بما ينسجم مع الرسالة الحضارية للإسلام وقيمه الإنسانية الجامعة.