استراتيجية استقطاب مزدوجي الجنسية: كيف يعيد المغرب رسم خريطة مواهبه الكروية قبل مونديال 2030
بوشعيب البازي
بروكسل: يشهد المنتخب المغربي لكرة القدم خلال السنوات الأخيرة تحولا ملحوظا في مقاربته لتدبير الرأسمال البشري الكروي، عبر تكثيف الجهود لاستقطاب اللاعبين مزدوجي الجنسية المنتشرين في الدوريات الأوروبية الكبرى. وتندرج هذه السياسة ضمن رؤية استراتيجية بعيدة المدى تهدف إلى توسيع قاعدة الاختيارات التقنية وتعزيز القدرة التنافسية لـ“أسود الأطلس” قبل الاستحقاقات القارية والدولية المقبلة، وعلى رأسها نهائيات كأس العالم 2030 التي ستستضيفها المغرب إلى جانب إسبانيا والبرتغال.
دبلوماسية كروية جديدة
لم تعد مسألة اختيار اللاعبين مزدوجي الجنسية مجرد ملف تقني يهم الجهاز الفني للمنتخب، بل أصبحت جزءاً من سياسة رياضية مؤسساتية تقودها الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم. وتعتمد هذه المقاربة على تتبع المواهب الشابة في الأكاديميات الأوروبية والتواصل المبكر معها، في محاولة لإقناعها بتمثيل المغرب قبل أن تحسم خيارها الدولي لصالح دول أخرى.
وقد أثمرت هذه الاستراتيجية خلال السنوات الأخيرة عن استقطاب عدد من اللاعبين الذين نشؤوا كروياً في أوروبا، وهو ما ساهم في رفع مستوى المنتخب المغربي وإدماج خبرات تكوينية متنوعة داخل المجموعة الوطنية.
تياغو بيتارش… موهبة صاعدة على رادار المغرب
في هذا السياق، برز اسم لاعب الوسط الشاب Tiago Pitarch كواحد من أبرز المواهب التي يراقبها الاتحاد المغربي عن كثب. فاللاعب البالغ من العمر 18 عاماً فرض نفسه هذا الموسم داخل منظومة Real Madrid، حيث بدأ يلفت الأنظار بفضل مستواه الفني وتطوره السريع.
ولد بيتارش سنة 2007 في مدينة فوينلابرادا الإسبانية لأصول مغربية، إذ تنحدر عائلته من شمال المملكة، وهو ما يمنحه أهلية تمثيل المغرب وفق لوائح FIFA المتعلقة باللاعبين مزدوجي الجنسية.
ويشغل اللاعب مركز خط الوسط، ويتميز بقدرات تقنية ملحوظة، خاصة في الربط بين خطوط اللعب والاحتفاظ بالكرة تحت الضغط، إضافة إلى دقة التمرير ورؤية تكتيكية تسمح له بالمساهمة في بناء الهجمات. كما يبرز بذكاء كروي يجعله قادراً على التقدم نحو منطقة الجزاء وصناعة الفرص، وهو ما جعله يحظى بثقة المدربين الذين أشرفوا على تطويره.
مسار تكويني داخل مدارس الكرة الإسبانية
بدأت رحلة بيتارش الكروية في أكاديمية Atlético Madrid، حيث قضى خمس سنوات في مرحلة التكوين الأولى. بعدها انتقل إلى أكاديمية Getafe CF، قبل أن يخوض تجربة قصيرة مع CD Leganés.
وفي عام 2023 التحق بأكاديمية Real Madrid، حيث واصل تطوره داخل فرق الفئات السنية للنادي الملكي. وبفضل أدائه المتصاعد، تم تصعيده في صيف 2025 إلى الفريق الرديف، في خطوة تعكس الثقة الكبيرة التي يحظى بها داخل النادي.
وقد حظي اللاعب بدعم واضح من المدرب Álvaro Arbeloa، الذي رافقه خلال مراحل متعددة في الفئات السنية، ومنحه دقائق مهمة في المنافسات الأوروبية للشباب، قبل أن يرافقه أيضاً في تجربته مع الفريق الرديف.
كما تلقى بيتارش إشارات إيجابية من مدرب الفريق الأول Xabi Alonso، الذي استدعاه في عدة مناسبات للتدرب مع المجموعة الأساسية، في مؤشر واضح على الثقة المتزايدة في إمكاناته.
بين المغرب وإسبانيا: قرار لم يُحسم بعد
يبقى مستقبل بيتارش الدولي مفتوحاً على عدة احتمالات. فبينما يسعى المغرب إلى استقطابه ضمن مشروع طويل الأمد مرتبط بكأس العالم 2030، لا تزال إمكانية تمثيله لإسبانيا قائمة أيضاً.
وقد أكد اللاعب في تصريحات إعلامية أنه لم يحسم بعد قراره النهائي بشأن المنتخب الذي سيمثله، مشيراً إلى أن تركيزه ينصب حالياً على تطوير مستواه داخل Real Madrid.
غير أن اللاعب كشف أيضاً أن زميله في النادي الملكي Brahim Díaz يتحدث معه كثيراً عن المنتخب المغربي والأجواء داخل معسكر “أسود الأطلس”، وهو ما يجعله يفكر بجدية في هذا الخيار.
سوابق تعكس تعقيد الملف
ليست هذه الحالة الأولى التي يواجه فيها المغرب منافسة مع دول أوروبية على استقطاب اللاعبين مزدوجي الجنسية. فقد شهدت السنوات الماضية حالات مشابهة، أبرزها انتقال Munir El Haddadi لتمثيل المغرب بعد أن لعب سابقاً مع المنتخب الإسباني، وهو القرار الذي جاء عقب تعديل في لوائح FIFA المتعلقة بالأهلية الدولية.
كما يشكل المدافع Issa Diop مثالاً آخر على هذه الدينامية. فاللاعب الذي ينشط في صفوف Fulham FC ويحمل الجنسيات الفرنسية والسنغالية والمغربية، أجرى مؤخراً لقاءً مع مسؤولين مغاربة لبحث إمكانية تمثيل المنتخب الوطني مستقبلاً، خاصة أنه لم يخض أي مباراة رسمية مع المنتخب الفرنسي الأول.
رهانات رياضية واستراتيجية
تعكس هذه التحركات رغبة المغرب في تعزيز عمق تشكيلته الوطنية، خاصة في ظل الاستحقاقات الدولية المقبلة. فإلى جانب المواهب الشابة مثل بيتارش، يواصل الاتحاد المغربي متابعة لاعبين آخرين في الدوريات الأوروبية، من بينهم لاعب الوسط الصاعد Ayyoub Bouaddi الذي يتألق مع Lille OSC.
ومن خلال هذه المقاربة الاستباقية، يسعى المغرب إلى بناء جيل جديد قادر على الحفاظ على المستوى التنافسي الذي بلغه المنتخب في السنوات الأخيرة، مع ضمان استمرارية المشروع الكروي الوطني على المدى الطويل.
وفي ظل التنافس المتزايد بين المنتخبات على استقطاب المواهب المزدوجة الجنسية، تبدو قدرة المغرب على إقناع هذه الأسماء الصاعدة عاملاً حاسماً في رسم ملامح مستقبل “أسود الأطلس”، خصوصاً مع اقتراب استحقاق عالمي بحجم مونديال 2030.