سبتة ومليلية في قلب الجدل الجيوستراتيجي: هل تعود المدينتان إلى واجهة التوازنات الأطلسية؟
مجدي فاطمة الزهراء
بروكسل: عاد ملف المدينتين الواقعتين على الساحل الشمالي للمغرب، سبتة ومليلية، إلى واجهة النقاش الجيوسياسي الدولي بعد مقال مثير للجدل نشره الباحث الأمريكي Michael Rubin، دعا فيه الإدارة الأمريكية إلى الاعتراف بهما كـ«أراضٍ مغربية محتلة». ويعيد هذا الطرح إحياء نقاش تاريخي واستراتيجي طالما ظل حاضراً في العلاقات المغربية الإسبانية، لكنه غالباً ما يُدار بحذر دبلوماسي شديد نظراً لتعقيداته القانونية والسياسية.
قراءة أمريكية جديدة لملف قديم
في مقاله المنشور على منصة Middle East Forum، اعتبر روبين، وهو مسؤول سابق في وزارة الدفاع الأمريكية، أن استمرار السيطرة الإسبانية على المدينتين يمثل امتداداً لإرث استعماري تاريخي، مشيراً إلى أن مدريد انسحبت من معظم الأراضي التي كانت تحت نفوذها في المغرب سنة 1956، لكنها احتفظت بسبتة ومليلية.
ووفق هذا الطرح، فإن المدينتين لا يمكن فصلهما عن سياق التوسع الأوروبي في شمال أفريقيا خلال القرون الماضية. فمدينة Ceuta، التي تبلغ مساحتها نحو سبعة أميال مربعة، خضعت لسيطرة البرتغال سنة 1415 قبل أن تنتقل لاحقاً إلى السيادة الإسبانية بعد اتحاد التاجين البرتغالي والإسباني في القرن السادس عشر.
أما مدينة Melilla، التي تقل مساحتها قليلاً عن نظيرتها، فقد دخلت تحت السيطرة الإسبانية سنة 1497، وظلت منذ ذلك التاريخ تحت إدارة مدريد رغم التحولات الجيوسياسية التي شهدتها المنطقة.
البعد الاستراتيجي للمضيق المتوسطي
لا تقتصر أهمية المدينتين على البعد التاريخي فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى اعتبارات جيوستراتيجية مرتبطة بالتحكم في المدخل الغربي للبحر الأبيض المتوسط. فموقعهما الجغرافي القريب من Strait of Gibraltar يمنحهما قيمة عسكرية وأمنية كبيرة، خاصة في سياق التنافس الدولي حول أمن الممرات البحرية الحيوية.
ومن هذا المنظور، يرى بعض المحللين أن بقاء المدينتين تحت السيادة الإسبانية يندرج أيضاً ضمن منظومة الأمن الأطلسي التي تشكل جزءاً من الاستراتيجية الغربية في البحر المتوسط، حيث تعد إسبانيا عضواً فاعلاً في NATO.
دعوة لتغيير الموقف الأمريكي
في مقاله، دعا روبين الرئيس الأمريكي السابق Donald Trump ووزير الخارجية الأمريكي Marco Rubio إلى «تصحيح خطأ تاريخي» عبر الاعتراف بسيادة المغرب على المدينتين. واستند في دعوته إلى القرار الذي اتخذته واشنطن في نهاية ولاية ترامب الأولى، عندما اعترفت بسيادة المغرب على صحرائه.
ويرى روبين أن خطوة مماثلة قد تفتح الباب أمام إعادة صياغة التوازنات الجيوسياسية في غرب المتوسط، خاصة في ظل ما يعتبره تحولات في مواقف الحكومة الإسبانية الحالية برئاسة Pedro Sánchez تجاه عدد من الملفات الدولية.
بين التاريخ والقانون الدولي
مع ذلك، يظل ملف سبتة ومليلية معقداً من الناحية القانونية والدبلوماسية. فإسبانيا تعتبر المدينتين جزءاً لا يتجزأ من أراضيها الوطنية، وتدرجهما ضمن نظام الحكم الذاتي الإسباني. كما أن الاتحاد الأوروبي يتعامل معهما باعتبارهما جزءاً من حدوده الجنوبية.
في المقابل، يرى المغرب أن وجود إسبانيا في المدينتين يمثل استمراراً لوضع استعماري تاريخي، وأن تسوية هذا الملف ينبغي أن تتم في إطار حوار سياسي طويل الأمد يأخذ بعين الاعتبار مبادئ تصفية الاستعمار المعترف بها في القانون الدولي.
انعكاسات محتملة على التوازنات الإقليمية
يثير طرح روبين تساؤلات أوسع حول مستقبل التوازنات الجيوسياسية في غرب المتوسط. فإعادة فتح هذا الملف على المستوى الدولي قد تؤثر على علاقات الرباط ومدريد، التي شهدت خلال السنوات الأخيرة تقارباً نسبياً بعد أزمة دبلوماسية حادة سنة 2021.
كما أن أي تحول في الموقف الأمريكي تجاه المدينتين قد يعيد رسم معادلات النفوذ في المنطقة، خاصة في ظل تزايد أهمية البحر الأبيض المتوسط كمسرح للتنافس الجيوسياسي بين القوى الدولية.
في النهاية، تبقى سبتة ومليلية أكثر من مجرد مدينتين حدوديتين؛ فهما عقدة تاريخية واستراتيجية تعكس تعقيدات العلاقة بين أوروبا وشمال أفريقيا، وتطرح سؤالاً أعمق حول مستقبل الإرث الاستعماري في عالم يتجه تدريجياً نحو إعادة قراءة خرائطه السياسية والجيوسياسية.