مضيق هرمز في قلب المواجهة الدولية: بين حسابات الردع الإيراني ومساعي الحماية الغربية

بوشعيب البازي

بروكسل: تشهد منطقة الخليج توتراً متصاعداً مع دخول الحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، أسبوعها الثالث، في سياق إقليمي ودولي شديد التعقيد تتقاطع فيه الحسابات العسكرية مع رهانات الاقتصاد العالمي. وفي هذا الإطار، دعت طهران المجتمع الدولي إلى الامتناع عن أي خطوة من شأنها توسيع نطاق النزاع، في وقت تتكثف فيه التحركات الغربية لبحث سبل تأمين الملاحة في مضيق هرمز، أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.

مضيق هرمز: ورقة الضغط الاستراتيجية

يُعد مضيق هرمز شرياناً حيوياً للاقتصاد العالمي، إذ يمر عبره ما يقارب خُمس إمدادات النفط العالمية. وإغلاقه أو تعطيل الملاحة فيه لا يمثل مجرد إجراء عسكري، بل ورقة ضغط جيوسياسية تستخدمها إيران في مواجهة الضغوط الدولية المتزايدة عليها.

ومع تصاعد العمليات العسكرية في المنطقة، بات المضيق شبه مغلق بفعل التهديدات الإيرانية، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع أسعار النفط وإلى قلق متزايد لدى الدول الصناعية الكبرى التي تعتمد بشكل كبير على استقرار تدفقات الطاقة.

وتدرك القيادة الإيرانية أن السيطرة على هذا الممر البحري تمنحها قدرة ردع مهمة في مواجهة خصومها. غير أن هذه الورقة، على أهميتها، قد تتحول إلى سلاح ذي حدين إذا ما نجحت الولايات المتحدة في حشد تحالف دولي لتأمين الملاحة البحرية بالقوة، وهو ما قد يحد من قدرة طهران على استخدام المضيق كورقة تفاوضية أو عسكرية.

تحركات دولية لتأمين الملاحة

في هذا السياق، كشفت تقارير إعلامية عن مناقشات أوروبية حول توسيع نطاق مهمة بحرية أوروبية لتشمل مضيق هرمز. ووفق ما نقلته صحيفة فاينانشال تايمز عن مسؤول أوروبي، فإن وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي يدرسون احتمال توسيع مهمة “أسبيدس” البحرية التابعة للتكتل لتشمل المضيق، أو إطلاق مهمة بحرية مشتركة بالتعاون مع الأمم المتحدة لضمان المرور الآمن للسفن.

وتأتي هذه التحركات في أعقاب دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترامب عدداً من الدول للمشاركة في حماية إمدادات النفط العالمية التي تمر عبر المضيق. وقد ذكر ترامب بالاسم فرنسا والمملكة المتحدة والصين واليابان وكوريا الجنوبية كشركاء محتملين في هذه العملية البحرية.

غير أن الاستجابة الدولية لهذه الدعوة ما تزال حذرة. فقد أعلنت كوريا الجنوبية أنها تدرس الطلب الأميركي عن كثب، فيما أكدت المملكة المتحدة أنها تجري مشاورات مع حلفائها بشأن الخيارات الممكنة لضمان أمن الملاحة في المنطقة. ومع ذلك، شددت لندن على أن الأولوية في هذه المرحلة تبقى خفض التصعيد وتجنب توسع الحرب.

أما في اليابان، فقد أشار مسؤولون في الحزب الحاكم إلى أن القوانين الحالية تجعل إرسال قطع بحرية إلى المنطقة أمراً معقداً من الناحية القانونية والسياسية.

الدبلوماسية الإيرانية وتحذير من التصعيد

في موازاة هذه التحركات، سعت طهران إلى توجيه رسائل سياسية إلى المجتمع الدولي تحذر فيها من مخاطر الانخراط في أي تحالف عسكري قد يؤدي إلى توسيع النزاع. وفي هذا السياق، دعا وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي دول العالم إلى الامتناع عن اتخاذ إجراءات من شأنها تصعيد الصراع.

وخلال اتصال هاتفي مع نظيره الفرنسي جان نويل بارو، شدد عراقجي على ضرورة تجنب أي خطوات قد تؤدي إلى توسيع رقعة الحرب، مؤكداً أن إنهاء النزاع لن يكون ممكناً إلا بعد حصول إيران على ضمانات بعدم تكراره مستقبلاً.

وتعكس هذه التصريحات إدراكاً إيرانياً لحساسية المرحلة، حيث تحاول طهران تجنب تشكل تحالف دولي واسع النطاق ضدها، مع الحفاظ في الوقت ذاته على خطاب ردعي موجه إلى خصومها.

خطاب التصعيد الأميركي

في المقابل، يواصل الرئيس الأميركي دونالد ترامب اعتماد خطاب متشدد تجاه إيران، مستبعداً في الوقت الراهن إمكانية التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب. ففي تصريحات لشبكة NBC News، أكد ترامب أن طهران ترغب في التفاوض، لكنه اعتبر أن شروطها الحالية غير كافية.

كما لمح إلى احتمال تكثيف الضربات الأميركية ضد أهداف إيرانية، بما في ذلك مواقع على الساحل الإيراني المطل على مضيق هرمز، بهدف إعادة فتح الممر البحري واستئناف تدفقات النفط العالمية.

وتعكس هذه التصريحات استراتيجية ضغط قصوى تسعى واشنطن من خلالها إلى فرض شروط تفاوضية أكثر صرامة على إيران، في إطار صراع يتجاوز البعد العسكري ليشمل إعادة رسم موازين القوى في المنطقة.

توازن هش بين الحرب والاقتصاد

بعد أكثر من أسبوعين على اندلاع المواجهة العسكرية، لا يبدو أن أياً من الأطراف مستعد للتراجع. فإسرائيل تواصل ضرباتها العسكرية داخل الأراضي الإيرانية، بينما تتوعد طهران بالرد، في حين تحاول القوى الدولية احتواء تداعيات الصراع على الاقتصاد العالمي، خاصة في قطاع الطاقة.

وفي هذا السياق، يظل مضيق هرمز نقطة الارتكاز الأساسية في المعادلة الاستراتيجية. فبين رغبة الغرب في ضمان حرية الملاحة، وسعي إيران إلى استخدام المضيق كوسيلة ردع، يتحدد مسار أحد أخطر الأزمات الجيوسياسية في السنوات الأخيرة.

إن استمرار إغلاق المضيق أو عسكرة حمايته دولياً قد يؤدي إلى إعادة تشكيل معادلات الأمن البحري في الخليج، كما قد يدفع الاقتصاد العالمي إلى مرحلة جديدة من عدم الاستقرار، في وقت تتزايد فيه التوترات الدولية وتتعقد فيه مسارات التسوية السياسية.

وبين خيار التصعيد العسكري واحتمالات العودة إلى طاولة المفاوضات، يبقى مستقبل مضيق هرمز مؤشراً مركزياً على الاتجاه الذي ستسلكه هذه الأزمة في الأسابيع المقبلة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com