مضيق هرمز بين الحذر الأوروبي وضغوط واشنطن: قراءة أكاديمية في توازنات الأمن البحري الدولي
بوشعيب البازي
بروكسل – في لحظة جيوسياسية شديدة الحساسية، يجد النظام الدولي نفسه أمام اختبار جديد يتعلق بأمن أحد أهم الممرات البحرية في العالم: مضيق هرمز. فبينما تضغط الولايات المتحدة لتشكيل تحالف دولي سريع لحماية حركة الملاحة، يختار الاتحاد الأوروبي مقاربة أكثر حذراً تقوم على تعزيز العمليات القائمة دون الانجرار إلى توسيع نطاقها العسكري، وهو موقف يعكس تعقيد التوازنات بين المصالح الاستراتيجية والاعتبارات الدبلوماسية.
مضيق استراتيجي في قلب الاقتصاد العالمي
يمثل مضيق هرمز شرياناً حيوياً للاقتصاد العالمي، إذ يمر عبره ما يقارب خمس صادرات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. ولذلك فإن أي اضطراب في هذا الممر ينعكس مباشرة على الأسواق الدولية وأسعار الطاقة.
وقد تفاقمت التوترات بعد التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، حيث ردّت طهران على الضربات العسكرية باستخدام طائرات مسيّرة وصواريخ وألغام بحرية، ما أدى عملياً إلى تعطيل حركة ناقلات النفط في المنطقة.
هذا التطور دفع الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الدعوة لتشكيل قوة دولية لحماية الملاحة في المضيق، مع إعلان استعداد البحرية الأميركية لمرافقة ناقلات النفط قريباً.
الحذر الأوروبي: أمن بحري دون الانخراط في التصعيد
في المقابل، يعكس موقف الاتحاد الأوروبي توجهاً أكثر تحفظاً. فقد أكدت مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية كايا كالاس عقب اجتماع وزراء الخارجية في بروكسل وجود “رغبة واضحة” لتعزيز المهمة البحرية الأوروبية في الشرق الأوسط، دون توسيع نطاقها حالياً ليشمل المضيق.
وتتعلق هذه المهمة بعملية عملية أسبيدس الأوروبية التي أُطلقت سنة 2024 لحماية السفن التجارية من هجمات الحوثيين في البحر الأحمر.
وتضم العملية حالياً سفناً حربية من إيطاليا واليونان، مع إمكانية دعم إضافي من فرنسا. غير أن الموارد البحرية المحدودة لهذه المهمة تطرح تحديات كبيرة في حال توسيع نطاقها إلى مسرح عمليات أكثر تعقيداً مثل الخليج العربي.
توازنات أوروبية دقيقة
يرى عدد من المراقبين أن الحذر الأوروبي لا يعكس فقط اعتبارات عملياتية، بل يرتبط أيضاً برغبة واضحة في تجنب الانجرار المباشر إلى الصراع الدائر بين واشنطن وطهران.
فالاتحاد الأوروبي، الذي يسعى تقليدياً إلى لعب دور الوسيط الدبلوماسي في أزمات الشرق الأوسط، يدرك أن عسكرة الأزمة في المضيق قد تؤدي إلى توسيع نطاق المواجهة الإقليمية، وهو سيناريو يحمل مخاطر كبيرة على أمن الطاقة الأوروبي واستقرار الاقتصاد العالمي.
كما أن التجارب السابقة، خصوصاً خلال أزمات الملاحة في الخليج خلال العقود الماضية، أظهرت أن تأمين هذا الممر يتطلب موارد بحرية ضخمة وتنسيقاً عسكرياً عالي المستوى.
انتقادات أميركية للحلفاء
في المقابل، لم يُخفِ الرئيس الأميركي دونالد ترامب استياءه من تردد بعض الحلفاء الغربيين. فقد انتقد ما وصفه بـ”ضعف الحماسة” لدى بعض الدول للمشاركة في عملية تأمين المضيق، مذكّراً بأن الولايات المتحدة وفرت الحماية لحلفائها لعقود طويلة.
ودعا ترامب عدداً من القوى الدولية، من بينها فرنسا والمملكة المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية والصين، إلى إرسال سفن للمشاركة في حماية الملاحة.
وفي هذا السياق، أشار إلى أنه ناقش المسألة مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي أعطى، بحسب تعبيره، “تقييماً بثمانية من عشرة”، في إشارة إلى دعم جزئي دون التزام كامل.
أما على الجانب البريطاني، فقد وجّه ترامب انتقادات أكثر حدة إلى رئيس الوزراء كير ستارمر، رغم تأكيد لندن أنها تعمل مع حلفائها لوضع خطة “قابلة للتنفيذ” لإعادة فتح المضيق، ولكن خارج إطار حلف شمال الأطلسي.
أزمة قيادة في طهران تزيد الغموض
تزامناً مع التصعيد العسكري، يحيط الغموض أيضاً بالوضع السياسي داخل إيران، بعد مقتل المرشد الأعلى السابق علي خامنئي خلال الضربات الأولى للحرب في أواخر فبراير.
وقد خلفه ابنه مجتبى خامنئي، غير أن تقارير متضاربة تتحدث عن إصابته بجروح خطيرة خلال المواجهات، ما يثير تساؤلات حول استقرار القيادة السياسية في طهران.
وفي هذا السياق، قال ترامب إن إيران تبدو “نمراً من ورق”، مضيفاً أن واشنطن لا تعرف حتى الآن “مع من تتعامل” داخل القيادة الإيرانية.
نحو دبلوماسية أمنية جديدة؟
تكشف أزمة مضيق هرمز مرة أخرى عن التحولات العميقة في بنية الأمن البحري الدولي. فبين ضغط القوة الأميركية الداعية إلى تحالف عسكري سريع، وحذر الأوروبيين الذين يفضلون إدارة الأزمة عبر الدبلوماسية والتدرج العملياتي، يتشكل مشهد استراتيجي جديد قد يعيد رسم قواعد حماية الممرات البحرية في القرن الحادي والعشرين.
ويبقى السؤال المركزي المطروح اليوم: هل تستطيع القوى الدولية تأمين هذا الشريان الحيوي دون الانزلاق إلى مواجهة إقليمية أوسع، أم أن أزمة المضيق ستكون مقدمة لمرحلة جديدة من عسكرة طرق الطاقة العالمية؟