مضيق هرمز خارج الإجماع الأطلسي: هل تدخل الولايات المتحدة عصر العمليات الأحادية؟

بوشعيب البازي

بروكسل : في لحظة مفصلية تعكس تحولات عميقة في بنية التحالفات الدولية، أعلن دونالد ترامب بشكل صريح أن الولايات المتحدة لم تعد بحاجة إلى دعم حلفائها في حلف شمال الأطلسي لتأمين إعادة فتح مضيق هرمز. تصريح لا يمكن قراءته فقط في سياق أزمة عسكرية ظرفية، بل كإشارة استراتيجية إلى إعادة تعريف واشنطن لدورها القيادي ضمن النظام الدولي.

أزمة مضيق هرمز: عقدة الطاقة العالمية

يمثل مضيق هرمز أحد أهم الشرايين الحيوية للاقتصاد العالمي، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز الطبيعي المسال. ومع تصاعد المواجهة العسكرية مع إيران منذ أواخر فبراير، وتحول المضيق إلى منطقة شبه مغلقة بفعل التهديدات والهجمات البحرية، دخلت الأسواق العالمية في حالة توتر حاد، انعكس مباشرة في ارتفاع أسعار الطاقة.

لكن، وعلى خلاف الأزمات السابقة، لم تنجح واشنطن هذه المرة في حشد إجماع دولي أو حتى أطلسي حول تدخل عسكري جماعي لتأمين هذا الممر الاستراتيجي.

تفكك الإجماع الأطلسي: من التحالف إلى الانتقائية

مواقف العواصم الغربية كشفت عن تصدع غير مسبوق داخل الناتو. فقد أعلن إيمانويل ماكرون رفض باريس الانخراط في أي عملية عسكرية لتأمين المضيق في الظرف الراهن، فيما أكد كير ستارمر أن بلاده تفضل العمل خارج مظلة الحلف، في إشارة واضحة إلى تحفظات استراتيجية عميقة.

أما ألمانيا، فقد ذهبت أبعد من ذلك، معتبرة أن هذه الحرب “لا علاقة لها بالناتو”، وهو موقف يعكس حرص برلين على عدم الانجرار إلى مواجهة قد تخرج عن نطاق الدفاع الجماعي المنصوص عليه في ميثاق الحلف.

هذا التباين لا يقتصر على أوروبا، بل امتد إلى حلفاء آسيويين رئيسيين مثل اليابان وأستراليا وكوريا الجنوبية، الذين اختاروا بدورهم النأي بالنفس، ما يعكس إدراكا متزايدا لمخاطر الانخراط في صراع مفتوح مع إيران.

الاستراتيجية الأميركية الجديدة: من القيادة التشاركية إلى الأحادية الصلبة

تصريحات ترامب، التي وصف فيها الناتو بأنه “طريق ذو اتجاه واحد”، تعكس تحولا بنيويا في العقيدة الاستراتيجية الأميركية. فبدل الاعتماد على التحالفات متعددة الأطراف، يبدو أن واشنطن تتجه نحو نموذج “التحالفات الانتقائية” أو حتى “العمل الأحادي المدعوم عند الحاجة”.

هذا التوجه ليس جديدا بالكامل، لكنه اليوم يكتسب زخما أكبر في ظل تصاعد النزعات القومية داخل الولايات المتحدة، وتزايد القناعة بأن الحلفاء لا يواكبون حجم الالتزامات المالية والعسكرية الأميركية.

الاتحاد الأوروبي: براغماتية حذرة أم عجز استراتيجي؟

في بروكسل، أكدت كايا كالاس غياب أي رغبة أوروبية في الانخراط العسكري. هذا الموقف يعكس مزيجا من البراغماتية السياسية—تفاديا لتوسيع رقعة النزاع—ومن محدودية القدرات العسكرية المستقلة للاتحاد الأوروبي.

كما يكشف عن معضلة أوروبية مزمنة: الاعتماد الأمني على الولايات المتحدة من جهة، والرغبة في الاستقلال الاستراتيجي من جهة أخرى، دون القدرة على تحقيق التوازن بينهما.

تداعيات جيوستراتيجية: نحو نظام دولي أكثر سيولة

ما يحدث اليوم في مضيق هرمز يتجاوز مجرد أزمة إقليمية، ليطرح أسئلة جوهرية حول مستقبل النظام الدولي:

  • هل نشهد نهاية فعلية لفكرة “الأمن الجماعي” بصيغتها الأطلسية؟
  • هل ستتحول الولايات المتحدة إلى قوة تتبنى التدخلات الأحادية بشكل متزايد؟
  • وهل يفتح هذا الفراغ المجال أمام قوى أخرى—كالصين أو روسيا—لإعادة رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط؟

في المحصلة، تكشف هذه الأزمة عن عالم يتجه نحو مزيد من التفكك الاستراتيجي، حيث لم تعد التحالفات التقليدية قادرة على إنتاج استجابات جماعية فعالة. وبينما تصر واشنطن على قدرتها على التحرك منفردة، يطرح الواقع سؤالا أكثر تعقيدا: هل تستطيع القوة، مهما بلغت، أن تدير وحدها مضائق العالم؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com