الصحراء المغربية في منظور موسكو: إعادة تعريف النزاع بين الواقعية الجيوسياسية وتآكل الوكالة

بوشعيب البازي

بروكسل: في تحول لافت يعكس قراءة روسية أكثر براغماتية لملفات شمال إفريقيا، خلص تقرير صادر عن مجلس الشؤون الدولية الروسي إلى أن نزاع الصحراء لم يعد يُفهم باعتباره قضية تصفية استعمار تقليدية، بل كصراع جيوستراتيجي مباشر بين المغرب والجزائر، مع تراجع دور جبهة البوليساريو إلى مجرد فاعل وكيل محدود التأثير.

من نزاع إقليمي إلى معادلة قوة بين دولتين

التقرير، الصادر عن مركز RIAC، يعيد تأطير النزاع ضمن منطق توازن القوى، حيث لم يعد الفاعل غير الدولتي قادرا على فرض معادلات ميدانية أو سياسية مستقلة. فـ«البوليساريو»، وفق التحليل الروسي، تعاني من تآكل في قدراتها العسكرية وتبعية بنيوية للدعم الجزائري، ما يجعلها أداة ضمن استراتيجية إقليمية أوسع تقودها الجزائر.

هذا التوصيف يتقاطع مع تحولات ميدانية منذ خرق وقف إطلاق النار سنة 2020، حيث ظلت المواجهات في حدود “حرب منخفضة الكثافة”، دون قدرة الجبهة على تحقيق اختراق نوعي، مقابل حفاظ المغرب على تفوقه العملياتي واستقراره الأمني.

الترسيخ المغربي: من الشرعية التاريخية إلى الفعالية الميدانية

يرصد التقرير تصاعدا مطردا في تثبيت المغرب لموقفه، ليس فقط عبر الخطاب السيادي، بل من خلال سياسات إدماج فعلي للأقاليم الجنوبية ضمن منظومته الإدارية والاقتصادية. هذا التلازم بين الشرعية التاريخية والممارسة المؤسساتية يمنح الرباط، وفق القراءة الروسية، أفضلية استراتيجية طويلة الأمد.

كما يشير إلى أن مبادرة الحكم الذاتي لسنة 2007 تحولت إلى مرجعية مركزية في النقاش الدولي، باعتبارها صيغة تجمع بين الحفاظ على السيادة وتقديم عرض سياسي قابل للتفاوض، وهو ما يعزز موقع المغرب كشريك موثوق في مقاربات الاستقرار الإقليمي.

الدبلوماسية المغربية: هندسة الاعتراف وتفكيك الخصوم

أحد أبرز عناصر القوة المغربية، كما يبرزها التقرير، يتمثل في فعالية دبلوماسيتها متعددة الأبعاد. فمن جهة، نجحت الرباط في تقليص عدد الدول المعترفة بـ«الجمهورية الصحراوية»، ومن جهة أخرى، عملت على توسيع دائرة الدعم الدولي لسيادتها، سواء بشكل مباشر أو ضمني.

ويبرز التقرير رمزية افتتاح قنصليات أجنبية في الأقاليم الجنوبية كمؤشر سيادي متقدم، يعكس انتقال الدعم من مستوى الخطاب إلى مستوى التموقع الدبلوماسي الميداني.

كما شكل اعتراف الولايات المتحدة بسيادة المغرب على الصحراء خلال ولاية دونالد ترامب نقطة انعطاف حاسمة، فتحت المجال أمام إعادة تموقع قوى غربية أخرى. وفي هذا السياق، استحضر التقرير الرسالة التي وجهها إيمانويل ماكرون إلى الملك محمد السادس، والتي أكدت بوضوح إدماج مستقبل الصحراء ضمن السيادة المغربية.

الجزائر: من الفاعل الداعم إلى الطرف المركزي في النزاع

على الضفة المقابلة، يسلط التقرير الضوء على الدور البنيوي الذي تلعبه الجزائر، معتبرا إياها “الركيزة الأساسية” لاستمرار «البوليساريو». فالدعم العسكري والمالي والسياسي الذي توفره الجزائر يجعل من الجبهة كيانا معتمدا بالكامل، وهو ما يعزز القراءة التي ترى في النزاع مواجهة غير مباشرة بين دولتين.

كما يلفت التقرير إلى أن إدارة مخيمات تندوف تقوم على منظومة إعادة توزيع المساعدات الدولية، في إطار شبكات زبونية، ما يطرح تساؤلات حول الاستدامة السياسية والاقتصادية لهذا النموذج.

روسيا وإعادة التموضع في شمال إفريقيا

لا يمكن فصل هذا التقييم عن السياق الأوسع للسياسة الخارجية الروسية. فموسكو، التي تسعى إلى تعزيز حضورها في منطقة «مينا»، تبدو حريصة على تبني مقاربة واقعية تراعي موازين القوى الفعلية، بعيدا عن السرديات الأيديولوجية التقليدية.

ومن خلال هذا التقرير، ترسل روسيا إشارات ضمنية إلى إعادة تقييم تموقعها، مع إبقاء هامش المناورة مفتوحا بين الرباط والجزائر، لكن مع اعتراف متزايد بوزن المغرب كفاعل استقرار إقليمي.

سيناريوهات المستقبل: ترجيح الاستمرارية وتفادي الانفجار

يخلص التقرير إلى سيناريوهين رئيسيين:

  • الأول (الأرجح): استمرار تعزيز الموقع الدبلوماسي المغربي، مع بقاء التوتر في حدود احتكاكات منخفضة الكثافة.
  • الثاني (المستبعد): تصعيد إقليمي في حال قررت الجزائر رفع مستوى الدعم العسكري لـ«البوليساريو»، وهو خيار محفوف بمخاطر استراتيجية تدركها الجزائر نفسها.

تحولات بطيئة… لكن حاسمة

ما يكشفه التقرير الروسي ليس مجرد تقييم أكاديمي، بل مؤشر على تحول أعمق في إدراك القوى الدولية لطبيعة النزاع. فمع تراجع الفاعلين غير الدولتيين وصعود منطق الدول، ومع نجاح المغرب في تحويل الزمن إلى رافعة استراتيجية، يبدو أن معادلة الصحراء تتجه تدريجيا نحو إعادة الحسم، ليس عبر الحروب، بل عبر تراكم الاعترافات وإعادة تشكيل الشرعية الدولية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com