المغرب: من جغرافيا العبور إلى هندسة النفوذ الجيوسياسي العالمي

بوشعيب البازي

بروكسل: في سياق دولي يتسم بتفكك سلاسل التوريد وتصاعد التوترات الجيوسياسية، يبرز المغرب كفاعل صاعد نجح في تحويل موقعه الجغرافي من معطى ثابت إلى أداة نفوذ استراتيجي. فقد أكد تقرير نشرته أتلاير، استناداً إلى تحليلات المعهد الدولي للدراسات الجيوسياسية، أن الرباط باتت توظف جغرافيتها الاقتصادية كرأسمال جيوسياسي يعيد تشكيل موازين القوة في غرب المتوسط وواجهة الأطلسي، في لحظة تاريخية تتسم بإعادة تعريف مفاهيم السيادة الصناعية والأمن اللوجستي.

هذا التحول يتجسد في تبني المغرب لنموذج “Friendshoring”، الذي يقوم على إعادة تموقع سلاسل التوريد داخل فضاءات جغرافية وسياسية موثوقة. وفي هذا الإطار، لم يعد القرب الجغرافي وحده معياراً كافياً، بل أضحى الاستقرار السياسي والقدرة على التكيف مع التحولات العالمية عناصر حاسمة. وهو ما يجعل من المغرب شريكاً مفضلاً للقوى الغربية، الباحثة عن تقليص هشاشة ارتباطها بالممرات المضطربة أو الأسواق غير المستقرة، دون الانخراط في قطيعة مكلفة مع العولمة.

وعلى المستوى اللوجستي، يشكل “القوس المينائي” المغربي—من ميناء طنجة المتوسط إلى ميناء الناظور غرب المتوسط وصولاً إلى ميناء الداخلة الأطلسي—بنية تحتية متكاملة قادرة على امتصاص صدمات الاختناق البحري العالمي. ففي وقت تتزايد فيه المخاطر الأمنية في مضيق هرمز والبحر الأحمر، يقدم المغرب بديلاً جيوستراتيجياً يربط البحر الأبيض المتوسط بالمحيط الأطلسي ضمن منظومة آمنة وفعالة، ما يعزز استمرارية تدفقات الطاقة والتجارة العالمية.

غير أن القوة المغربية لا تقتصر على البنية التحتية، بل تمتد إلى دبلوماسية متعددة الأبعاد توازن بين الانخراط الأطلسي والانفتاح على أوروبا وعمقها الإفريقي. فالشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، إلى جانب العلاقة المتميزة مع الاتحاد الأوروبي، تتكامل مع مبادرات إقليمية طموحة مثل المبادرة الأطلسية، مما يمنح الرباط هامش مناورة واسعاً في التفاعل مع قوى دولية كبرى، ويؤهلها للعب دور الوسيط الموثوق في بيئة دولية متقلبة.

وفي العمق، يعزز هذا التموقع الجيوسياسي تحول صناعي متسارع، تجسده استثمارات نوعية من قبيل مشروع Safran في منطقة نواصر، الذي يكرس اندماج المغرب في سلاسل القيمة العالمية عالية التكنولوجيا. فبفضل اعتماد هذه المشاريع على الطاقات النظيفة وكفاءات بشرية محلية متقدمة، لم يعد المغرب مجرد منصة إنتاج منخفضة التكلفة، بل أضحى مركزاً صناعياً قادراً على استيعاب الصناعات المعقدة. وبهذا، يرسخ موقعه كـ“قوس صمود استراتيجي” عند ملتقى القارات، مساهماً ليس فقط في تأمين مصالحه الوطنية، بل أيضاً في إعادة تشكيل خرائط النفوذ الاقتصادي العالمي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com