المحور الجزائري–الإيراني: من التقاطع السياسي إلى التداخل العملياتي وإعادة تشكيل موازين الأمن الإقليمي
بوشعيب البازي
تُعيد المعطيات الاستخباراتية الأخيرة المرتبطة بتفكيك شبكة يُشتبه في ارتباطها بـالحرس الثوري الإيراني داخل الإمارات العربية المتحدة، وما رافقها من استخدام جوازات سفر جزائرية لمغادرة عناصر الشبكة نحو الجزائر، طرح تساؤلات عميقة حول طبيعة التحالف القائم بين الجزائر وإيران، والذي يبدو أنه تجاوز حدود التنسيق السياسي إلى مستويات أكثر تعقيدًا تتداخل فيها الأبعاد الأمنية والعملياتية.

في المنظور الجيوستراتيجي، لا يمكن قراءة هذه التطورات بمعزل عن التحولات الأوسع التي تشهدها المنطقة، حيث تتجه بعض القوى الإقليمية إلى إعادة توظيف أدوات “الحرب غير المتماثلة” وتوسيع نطاق نفوذها عبر شبكات غير تقليدية. وفي هذا السياق، يبرز نموذج “تصدير الثورة” كأحد أبرز محددات السلوك الاستراتيجي الإيراني، وهو النموذج الذي يعتمد على بناء شبكات نفوذ خارج الحدود عبر فاعلين غير دولتيين، وتوفير الدعم اللوجستي والتقني لهم.
اللوجستيك السيادي كأداة نفوذ
إن استخدام وثائق سفر سيادية لدولة مثل الجزائر، في سياق عمليات مرتبطة بشبكات خارجية، يفتح نقاشًا حول طبيعة “اللوجستيك السيادي” كأداة جيوسياسية. فالجواز الدبلوماسي أو الرسمي لم يعد مجرد وثيقة عبور، بل يمكن أن يتحول –في حالات معينة– إلى غطاء عملياتي يعزز حرية الحركة ويقلل من مخاطر الرصد والتتبع.

هذا التحول، إذا ثبتت معطياته، يعكس انتقالًا نوعيًا في مستوى التنسيق، حيث تصبح الدولة شريكًا ضمنيًا أو مباشرًا في تمكين الفاعلين غير الدولتيين، وهو ما يعيد تعريف مفهوم السيادة من منظور أمني، ويطرح تحديات جديدة أمام منظومات المراقبة الدولية.
المغرب واستباق التحولات الأمنية
ضمن هذا السياق، تبرز المملكة المغربية كفاعل إقليمي تبنّى منذ سنوات مقاربة استباقية في التحذير من تنامي النفوذ الإيراني في منطقة الساحل والصحراء. وقد استندت الرباط في مواقفها إلى مؤشرات تفيد بوجود قنوات تواصل بين الحرس الثوري الإيراني وجبهة البوليساريو، تشمل –وفق الطرح المغربي– مجالات التدريب العسكري ونقل الخبرات في حرب العصابات واستخدام الطائرات بدون طيار.

من منظور جيوستراتيجي، فإن إدخال هذه التكتيكات إلى فضاء نزاع إقليمي يُعد تطورًا نوعيًا، إذ يساهم في رفع مستوى التعقيد العملياتي، ويُحوّل النزاع من طابعه التقليدي إلى نمط هجين يجمع بين الحرب النظامية واللا نظامية، بما يحمله ذلك من تداعيات على استقرار المنطقة.
“إيرنة” النزاعات الإقليمية: من الشرق الأوسط إلى المغرب الكبير
يشير مفهوم “إيرنة النزاعات” إلى عملية نقل نماذج الصراع التي طورتها طهران في بيئات مثل العراق وسوريا ولبنان إلى مناطق جديدة، عبر تمكين وكلاء محليين من أدوات عسكرية وتكتيكية متقدمة. وإذا ما تم إسقاط هذا المفهوم على منطقة المغرب الكبير، فإننا نكون أمام تحول استراتيجي قد يعيد تشكيل قواعد الاشتباك ويزيد من احتمالات عدم الاستقرار.
وفي هذا الإطار، يُنظر إلى أي تقارب جزائري–إيراني من زاوية تأثيره على توازن القوى الإقليمي، خصوصًا في ظل التنافس الجيوسياسي القائم، حيث تسعى كل دولة إلى تعزيز موقعها الاستراتيجي عبر تحالفات متعددة المستويات.
انعكاسات على الأمن الإقليمي والدولي
إن التداخل بين الأجندات الجزائرية والإيرانية –إن ثبتت أبعاده العملياتية– لا يقتصر تأثيره على العلاقات الثنائية أو الإقليمية الضيقة، بل يمتد ليشمل الأمن القومي العربي، خاصة في مناطق حساسة مثل الخليج العربي ومنطقة الساحل. فوجود شبكات عابرة للحدود مدعومة بغطاء دولتي يرفع من مستوى التهديد، ويُعقّد جهود التعاون الأمني الدولي.
كما أن هذا الواقع يضع المجتمع الدولي أمام تحدٍ مزدوج: من جهة، ضرورة التعامل مع الفاعلين غير الدولتيين، ومن جهة أخرى، معالجة الأدوار غير التقليدية لبعض الدول في دعم أو تمكين هذه الشبكات.
في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن المنطقة تتجه نحو مرحلة جديدة من إعادة تشكيل التحالفات والاصطفافات، حيث لم تعد الخطوط الفاصلة بين العمل الدبلوماسي والعمل الأمني واضحة كما في السابق. وبينما تسعى بعض القوى إلى توسيع نفوذها عبر أدوات غير تقليدية، تبرز الحاجة إلى مقاربات جيوستراتيجية أكثر شمولًا، قادرة على استيعاب تعقيدات المشهد، وضمان الحد الأدنى من الاستقرار في بيئة إقليمية تتسم بتزايد الهشاشة والتنافس.