تصعيد الحرب على منشآت الطاقة في الخليج: تداعيات جيوسياسية وارتدادات على أسواق الطاقة العالمية
بوشعيب البازي
يشكّل انتقال المواجهة العسكرية بين إيران من جهة، وكل من إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية من جهة مقابلة، إلى استهداف منشآت الطاقة في الخليج، منعطفًا خطيرًا في طبيعة الصراع، بما يحمله من تداعيات استراتيجية عميقة على أمن الطاقة العالمي واستقرار الأسواق الدولية. فبعد أن كانت المواجهة تتركز في أبعادها العسكرية التقليدية، باتت اليوم تمسّ أحد أكثر الأعصاب حساسية في الاقتصاد العالمي: إمدادات النفط والغاز.
في هذا السياق، وجد الرئيس الأميركي دونالد ترامب نفسه في موقف بالغ التعقيد، بين التزاماته الاستراتيجية تجاه حلفائه في الخليج، وضغوط الداخل الأميركي المرتبطة بارتفاع أسعار الوقود، خصوصًا في ظل اقتراب الاستحقاقات الانتخابية. وقد انعكس هذا الحرج في مساعيه العلنية للنأي بواشنطن عن استهداف منشآت الطاقة الإيرانية، وإلقاء مسؤولية التصعيد على الحكومة الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو.
ضربات متبادلة وتدويل المخاطر
أدّى القصف الإسرائيلي لحقل “بارس الجنوبي”، أحد أكبر حقول الغاز في العالم، إلى فتح جبهة جديدة في الحرب، سرعان ما ردّت عليها طهران باستهداف منشآت حيوية في الخليج، من أبرزها مدينة رأس لفان الصناعية في قطر، والتي تعالج نحو خُمس إنتاج العالم من الغاز الطبيعي المسال. هذا التصعيد لم يكن مجرد رد عسكري، بل مثّل تحولًا نحو “حرب طاقة” مفتوحة، تهدد بإعادة تشكيل معادلات العرض والطلب عالميًا.
كما امتدت الضربات إلى منشآت تصدير النفط في المملكة العربية السعودية، بما في ذلك موانئ على البحر الأحمر كانت تُستخدم كبدائل استراتيجية لتجاوز مضيق مضيق هرمز، الذي بات فعليًا تحت تهديد الإغلاق من قبل إيران. ويُعد هذا المضيق شريانًا حيويًا يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية، ما يجعل أي اضطراب فيه كفيلًا بإحداث “صدمة نفطية” واسعة النطاق.
اختلال التنسيق الأميركي–الإسرائيلي
تكشف التطورات الأخيرة عن فجوات واضحة في التنسيق الاستراتيجي بين واشنطن وتل أبيب، حيث أقرّ ترامب بعدم علمه المسبق بالضربة الإسرائيلية على حقل بارس الجنوبي، وهو ما يثير تساؤلات حول وحدة الأهداف بين الحليفين. فبينما تركز إسرائيل على إضعاف النظام الإيراني سياسيًا وعسكريًا، تسعى الولايات المتحدة –وفق التصريحات الرسمية– إلى تحييد القدرات الصاروخية والنووية لطهران دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
هذا التباين في الأهداف يعزّزه ما صدر عن تولسي غابارد، التي أكدت أن أولويات الطرفين ليست متطابقة، الأمر الذي ينعكس على طبيعة العمليات العسكرية وحدودها. كما أن إعلان نتنياهو أن بعض العمليات نُفذت بشكل منفرد، يعمّق فرضية غياب استراتيجية موحدة، ويزيد من احتمالات سوء التقدير.
تردد الحلفاء وتآكل الإجماع الغربي
على الضفة الأخرى، أبدت القوى الغربية الكبرى، من بينها فرنسا وألمانيا وبريطانيا واليابان، حذرًا واضحًا في الانخراط المباشر في تأمين الملاحة في مضيق هرمز، رغم إعلانها الاستعداد المبدئي للمساهمة في استقرار الأسواق. ويعكس هذا التردد شكوكًا متزايدة بشأن وضوح أهداف الحرب، ومخاوف من الانجرار إلى صراع مفتوح لا تملك هذه الدول السيطرة على مآلاته.
كما أن اشتراط بعض القادة الأوروبيين، وعلى رأسهم المستشار الألماني، انتهاء العمليات القتالية قبل أي تدخل، يعكس تباينًا في الرؤى داخل المعسكر الغربي، ويؤشر إلى تآكل الإجماع التقليدي حول القيادة الأميركية في إدارة الأزمات الدولية.
ارتدادات اقتصادية وهيكلية
اقتصاديًا، أدّت الضربات المتبادلة إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة، مع تسجيل اضطرابات كبيرة في إمدادات الغاز الطبيعي المسال، خصوصًا بعد تعطل جزء معتبر من القدرة التصديرية القطرية لسنوات قادمة. ويُنذر هذا الوضع بإعادة تشكيل خريطة الطاقة العالمية، سواء عبر تسريع التحول نحو مصادر بديلة، أو من خلال إعادة توزيع مراكز الإنتاج والنقل.
كما أن استمرار التهديدات الإيرانية باستهداف منشآت الطاقة لدى الولايات المتحدة وحلفائها، يفتح الباب أمام سيناريوهات تصعيد غير مسبوقة، قد تشمل توسيع رقعة الحرب لتشمل بنى تحتية حيوية في مناطق أخرى، وهو ما يرفع من مستوى المخاطر الجيوسياسية إلى حدود غير مسبوقة منذ عقود.
إن التحول من حرب تقليدية إلى “حرب على الطاقة” يعكس مرحلة جديدة من الصراعات الدولية، حيث تصبح الموارد الحيوية أدوات ضغط استراتيجية بامتياز. وفي ظل غياب تنسيق محكم بين الحلفاء، وتردد القوى الدولية في الانخراط، يبدو أن العالم يقف على أعتاب أزمة طاقة مركبة، قد تعيد رسم موازين القوى الاقتصادية والجيوسياسية في آن واحد.