تمثيلية مغاربة العالم في البرلمان المغربي.. بين منطق الولاءات وغياب الكفاءة

بوشعيب البازي

بروكسل – مع كل استحقاق انتخابي يعود النقاش بقوة حول طريقة اختيار الأحزاب المغربية لمرشحيها الذين يُقدَّمون باعتبارهم ممثلين لمغاربة العالم داخل المؤسسة التشريعية. غير أن هذا الملف، الذي يفترض أن يكون مدخلاً لتعزيز صلة الجالية المغربية بوطنها الأم، تحول في نظر كثيرين إلى عنوان لتمثيلية شكلية لا تعكس حقيقة انتظارات ملايين المغاربة المقيمين بالخارج.

فالجالية المغربية، الممتدة عبر أوروبا وأمريكا الشمالية والخليج وإفريقيا، لا تبحث فقط عن مقاعد رمزية داخل البرلمان، بل عن أصوات قادرة على الترافع الجاد حول ملفاتها المعقدة، من الاستثمار والتحويلات المالية، إلى مشاكل الوثائق الإدارية، والتعليم، والحماية الاجتماعية، والتمييز، والحفاظ على الهوية الثقافية للأجيال الجديدة.

لكن الواقع السياسي يطرح تساؤلات جدية حول المعايير التي تعتمدها الأحزاب في انتقاء من يتحدث باسم هذه الفئة الواسعة من المواطنين.

اختيار في الكواليس لا في العلن

يلاحظ متابعون أن عدداً من الأسماء التي تصل إلى البرلمان تحت عنوان “تمثيل الجالية” لا تكون معروفة داخل أوساط المغاربة المقيمين بالخارج، ولا تملك رصيداً نضالياً أو جمعوياً واضحاً، كما لا تُعرف عنها مبادرات ملموسة في خدمة قضايا الهجرة.

وفي حالات كثيرة، يتم تقديم مرشحين جرى اختيارهم داخل دوائر حزبية مغلقة، بعيداً عن أي منافسة شفافة أو تشاور واسع مع فعاليات الجالية. فيتحول المقعد البرلماني إلى مكافأة تنظيمية أو توازن داخلي، أكثر من كونه تعبيراً عن إرادة سياسية لإيصال كفاءات تمثل فعلاً مغاربة العالم.

كيف ينجح مجهول في دائرة لا يعرفه أهلها؟

من بين أكثر الأسئلة التي تثير الجدل، كيفية تمكن بعض المرشحين القادمين من الخارج من الفوز في دوائر انتخابية محلية لا تربطهم بها معرفة اجتماعية أو حضور ميداني أو تراكم سياسي.

ففي عدد من الحالات، يجد الناخب نفسه أمام اسم لم يسمع به من قبل، لا يعرف سيرته، ولا ارتباطه بالمنطقة، ولا مشروعه السياسي، ومع ذلك ينتهي به المطاف نائباً برلمانياً.

هذا الواقع يطرح علامات استفهام حول طبيعة التزكيات الحزبية، ودور شبكات النفوذ المحلية، ومدى احترام مبدأ تكافؤ الفرص داخل الأحزاب نفسها، قبل الحديث عن التنافس الانتخابي في صورته العامة.

تمثيلية بلا أثر تشريعي

الأكثر إثارة للانتقاد أن بعض البرلمانيين المحسوبين على الجالية يمرون طيلة الولاية التشريعية دون بصمة واضحة في الملفات المرتبطة بمغاربة العالم. فلا مبادرات تشريعية بارزة، ولا أسئلة رقابية مؤثرة، ولا ترافع منتظم حول قضايا الجالية.

وفي المقابل، يستفيد هؤلاء من الامتيازات السياسية والرمزية المرتبطة بالصفة البرلمانية، من تعويضات ومكانة اجتماعية وحضور رسمي، بينما يبقى المواطن المقيم بالخارج بعيداً عن أولويات النقاش العمومي.

إشكال اللغة والكفاءة

من المفارقات التي يثيرها هذا الملف أيضاً، أن بعض المنتخبين لا يتقنون اللغة العربية، وهي اللغة الأساسية المعتمدة في جلسات البرلمان وأشغاله اليومية. ويطرح ذلك سؤالاً مشروعاً حول القدرة الفعلية على المرافعة، والتفاعل مع النصوص القانونية، والمشاركة في النقاشات التشريعية والرقابية.

فالمسألة لا ترتبط باللغة فقط، بل كذلك بالخبرة القانونية والسياسية، والقدرة على فهم تعقيدات المؤسسات، والترافع داخل فضاء يتطلب مهارات دقيقة في التواصل والتشريع.

والبرلمان، في نهاية المطاف، ليس فضاءً للتجريب أو الوجاهة الاجتماعية، بل مؤسسة دستورية تحتاج إلى الكفاءة والانضباط والإلمام بالشأن العام.

أين الديمقراطية الداخلية؟

جوهر الإشكال قد لا يكون في الأشخاص بقدر ما هو في آليات الاختيار داخل الأحزاب. فحين تغيب الديمقراطية الداخلية، وتُمنح التزكيات بمنطق الولاء أو التوازنات الضيقة، يصبح من الطبيعي أن تصل أسماء غير مؤهلة إلى مواقع المسؤولية.

أما إذا كانت الأحزاب جادة في تمثيل مغاربة العالم، فإن عليها فتح باب الترشيح بشفافية، وتنظيم مشاورات فعلية مع الجالية، واعتماد معايير واضحة تقوم على الكفاءة، والنزاهة، والتجربة، والقدرة على الدفاع عن الملفات الحقيقية للمهاجرين.

الجالية تستحق أكثر من رمزية انتخابية

مغاربة العالم ليسوا مجرد خزان انتخابي أو واجهة موسمية تُستحضر عند الحاجة. إنهم قوة اقتصادية واجتماعية وثقافية كبرى، تساهم في دعم الاقتصاد الوطني وتحمل صورة المغرب في الخارج.

ومن ثم، فإن تمثيلهم داخل البرلمان يجب أن يكون بمستوى هذا الدور، عبر وجوه ذات مصداقية، قريبة من انشغالاتهم، قادرة على إيصال صوتهم داخل المؤسسات.

أما استمرار منطق التعيين المقنع والتمثيل الصوري، فلن يؤدي إلا إلى تعميق فجوة الثقة بين الجالية والأحزاب، ويكرس الانطباع بأن بعض المقاعد تُمنح لمن يجيد الوصول، لا لمن يستحق التمثيل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com