بروكسل – رغم الخطاب الرسمي المتكرر حول أهمية مغاربة العالم ودورهم في دعم الاقتصاد الوطني وتعزيز صورة المغرب في الخارج، لا تزال العديد من مؤسسات تمثيلية الجالية تثير نقاشاً واسعاً بشأن فعاليتها، ودرجة ارتباطها الفعلي بانشغالات المغاربة المقيمين بالخارج.
ففي الوقت الذي يفترض فيه أن تشكل هذه المؤسسات جسراً دائماً بين الجالية ووطنها الأم، يرى عدد من المتتبعين أن حضورها على الأرض يظل محدوداً، وأن جزءاً كبيراً من نشاطها يظل محصوراً في التقارير الرسمية واللقاءات البروتوكولية، دون أثر ملموس في حياة الجالية اليومية.
تمثيلية تفتقد إلى الوضوح
من بين أبرز الملاحظات المثارة في هذا السياق، غياب الوضوح في طريقة اختيار عدد من المسؤولين الذين يتولون تمثيل الجالية داخل بعض الهياكل والمؤسسات. فالكثير من الأسماء لا تحظى بتعريف واضح داخل أوساط مغاربة العالم، ولا يُعرف بدقة مسارها أو طبيعة ارتباطها الفعلي بقضايا الهجرة.
هذا الغموض يطرح تساؤلات متكررة حول معايير التعيين، وحدود الاستشارة مع الفاعلين الحقيقيين داخل الجاليات في أوروبا وأمريكا وإفريقيا، خصوصاً في ظل تعدد الجمعيات والتنسيقيات التي تعمل في الميدان بعيداً عن المؤسسات الرسمية.
اتهامات متداولة وغياب التوضيح
وفي خضم هذا الجدل، تتداول بعض الأصوات انتقادات حادة تتعلق بطريقة تدبير هذه المؤسسات، حيث تُطرح بين الحين والآخر اتهامات مرتبطة بسوء الحكامة أو تضارب المصالح أو الاستفادة غير المبررة من الموارد العمومية.
كما يلاحظ بعض المتابعين وجود تحولات لافتة في مواقف بعض الأشخاص الذين شغلوا مواقع مرتبطة بشؤون الجالية، إذ ينتقل بعضهم، حسب هذه القراءات، من خطاب نقدي حاد إلى تبنّي خطاب رسمي منسجم مع المؤسسات التي كانوا ينتقدونها في السابق، وهو ما يثير تساؤلات لدى جزء من الرأي العام حول استقلالية المواقف.
في المقابل، لا توجد معطيات رسمية مفصلة أو تقارير تدقيق علنية كافية تسمح بتأكيد أو نفي هذه الانطباعات، ما يترك المجال مفتوحاً أمام التأويلات.
إشكالية الحكامة والشفافية المالية
من النقاط التي تثير بدورها نقاشاً متواصلاً، مسألة تدبير الميزانيات المخصصة لمؤسسات الجالية، ومدى خضوعها لآليات صارمة للمراقبة والمحاسبة. فعدد من الفاعلين يتساءلون عن طبيعة صرف هذه الميزانيات، ومعايير تقييم أثرها على أرض الواقع، خاصة في ظل محدودية المبادرات المباشرة الموجهة للمهاجرين.
ويعتبر هؤلاء أن غياب معطيات واضحة حول الصرف المالي والتقييم المستقل للأداء يضعف ثقة الجالية في هذه المؤسسات، ويجعل الفجوة بينها وبين المواطنين المقيمين بالخارج أكثر اتساعاً.
بين إصلاح شامل وانتظارات معلقة
في ظل التحولات الكبرى التي يعرفها المغرب على أكثر من مستوى، بما في ذلك الاستعداد لتنظيم أحداث دولية كبرى مثل كأس العالم 2030، يطرح سؤال الإصلاح المؤسساتي نفسه بإلحاح، بما في ذلك مؤسسات الجالية التي يفترض أن تلعب دوراً محورياً في تعزيز صورة البلاد وربط جسور التواصل مع ملايين المغاربة عبر العالم.
غير أن هذا الطموح يصطدم، بحسب عدد من المراقبين، بواقع يحتاج إلى مراجعة عميقة، سواء على مستوى الحكامة أو آليات التمثيل أو طرق التعيين أو تقييم الأداء.
حاجة إلى ربط المسؤولية بالمحاسبة
يؤكد متتبعون أن إعادة الثقة بين الجالية والمؤسسات الممثلة لها تمر أساساً عبر تعزيز الشفافية، وفتح ملفات التدبير للنقاش العمومي، وربط المسؤولية بالمحاسبة، بما يضمن إعادة الاعتبار لدور مغاربة العالم كشريك حقيقي في التنمية، وليس فقط كعنوان إداري أو رمزي.
وبين الخطاب الرسمي والواقع الميداني، يظل التحدي الأكبر هو تحويل هذه المؤسسات من هياكل إدارية إلى فاعل حقيقي يعكس تطلعات الجالية ويستجيب لانتظاراتها المتزايدة، في عالم لم يعد يقبل التمثيلية الشكلية أو الغامضة.