350 مليار درهم تحت المجهر.. حكومة المنصوري أمام اختبار تحويل الوعود إلى سياسات قابلة للتنفيذ

بوشعيب البازي

بعد تكليف فاطمة الزهراء المنصوري بتشكيل الحكومة، تنتقل الوعود الاجتماعية والاقتصادية التي حملها برنامج حزب الأصالة والمعاصرة من فضاء الحملة الانتخابية إلى اختبار أكثر صرامة: اختبار المالية العمومية والقدرة الفعلية للاقتصاد المغربي على تمويلها وتنزيلها.

فالحزب قدّر الكلفة الإضافية لبرنامجه بنحو 350 مليار درهم على مدى خمس سنوات، أي ما يقارب 70 مليار درهم سنوياً. وهو رقم يضع الحكومة المقبلة أمام معادلة دقيقة، خصوصاً أن جانباً مهماً من التعهدات يرتبط مباشرة بالقدرة الشرائية والتشغيل والسكن والخدمات العمومية والحماية الاجتماعية، بينما يتصل جزء آخر بإصلاحات ذات آثار ممتدة على المالية العامة وبنية الاقتصاد.

ويبرز ضمن البرنامج الانتخابي للحزب تعهد بإحداث مليون منصب شغل صافٍ بين 2027 و2031، وإعفاء الأسر المعوزة من فاتورة الكهرباء في حدود 100 درهم شهرياً، وخفض الضريبة على الدخل، وضمان معاش تقاعد لا يقل عن 3000 درهم، ورفع الحد الأدنى للدعم الاجتماعي المباشر إلى 1000 درهم.

نمو اقتصادي لتغطية كلفة البرنامج

يعتمد الحزب، وفق تصوره المالي، على مزيج من الموارد الجديدة الناتجة عن النمو وتوسيع الوعاء الضريبي، ومساهمات الجماعات الترابية، وإعادة تخصيص بعض الموارد، فضلاً عن تحسين النجاعة الميزانياتية.

ويقدر البرنامج الموارد الإضافية المنتظرة بنحو 350 مليار درهم، منها 300 مليار مرتبطة بأثر النمو وتوسيع الوعاء الضريبي، و40 مليار درهم يفترض أن تأتي من مساهمة الجماعات الترابية، و10 مليارات من إعادة تخصيص الموارد وتحسين النجاعة في الإنفاق.

وتضع هذه الفرضيات معدل النمو في قلب المعادلة، إذ يربط الحزب تنفيذ برنامجه بتحقيق نمو سنوي متوسط في حدود 5 في المائة خلال الفترة 2027-2031، بالتوازي مع خفض معدل البطالة إلى 7 في المائة سنة 2031، والحفاظ على عجز الميزانية في حدود 3 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، ومديونية عمومية في حدود 62 في المائة.

ويرى الوزير السابق والرئيس الأسبق للاتحاد العام لمقاولات المغرب حسن الشامي، في تصريح لمجلة «جون أفريك»، أن المغرب ركز خلال سنوات طويلة على تطوير البنيات التحتية، وأن المرحلة المقبلة تستدعي، في نظره، تعميق الإصلاحات الاجتماعية. كما اعتبر أن وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة يمثل تطوراً مؤسساتياً يعكس، بحسب تقييمه، توجهاً أكثر انفتاحاً في الحياة العامة.

مليون منصب شغل.. رهين بالقطاعات والاستثمار

يبقى التشغيل أحد أكثر الوعود طموحاً في البرنامج الجديد. فالوصول إلى مليون منصب شغل صافٍ خلال الولاية الحكومية يتطلب، إلى جانب النمو، قدرة القطاعات المنتجة على خلق وظائف مستدامة.

ويُوزع البرنامج هذا الهدف على 360 ألف منصب مرتبطة بكأس العالم 2030 والأنشطة المواكبة له، و270 ألفاً في الخدمات ذات القيمة المضافة العالية، و250 ألفاً في الصناعة وتعويض الواردات، و80 ألفاً في الفلاحة بالعالم القروي، إضافة إلى 40 ألفاً في اقتصاد الرياضة.

غير أن الخبير الاقتصادي رشيد الساري يرى أن النقاش حول التشغيل ينبغي ألا يقتصر على معدل النمو المستهدف، بل يجب أن يمتد إلى طبيعة القطاعات التي ستقود هذا النمو وحجم الاستثمارات اللازمة لخلق فرص العمل.

ويقول الساري، في تصريح لـ«العرب»، إن بلوغ مليون منصب شغل يقتضي تحديد القطاعات القادرة على استيعاب هذا الحجم من اليد العاملة، وربط أهداف التشغيل بالاستثمار والإنتاجية والتحولات التي يعرفها الاقتصاد المغربي.

ويضيف أن اختبار الوعود الانتخابية لا يتوقف عند الأرقام المعلنة، بل يشمل مدى انسجامها مع توجهات النموذج التنموي الجديد في أفق 2035. كما يلفت إلى ضرورة إدماج التحديات المرتبطة بالجفاف والتغيرات المناخية والكوارث الطبيعية في الحسابات الاقتصادية والمالية للمرحلة المقبلة.

معاش 3000 درهم.. فاتورة اجتماعية ثقيلة

من بين أكثر الالتزامات حساسية مالياً رفع الحد الأدنى لمعاشات التقاعد إلى 3000 درهم.

وتشير المعطيات الواردة في البرنامج إلى أن 689 ألفاً من أصل 848 ألف متقاعد في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي يتقاضون معاشات تقل عن هذا المستوى. وفي النظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد، يبلغ عدد المعنيين 28 ألفاً من أصل 96 ألفاً.

وتُقدّر الكلفة الإضافية لسد هذه الفجوة بنحو 7.5 مليارات درهم سنوياً بالنسبة إلى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وحده، لتصل إلى نحو 13 مليار درهم عند احتساب معاشات ذوي الحقوق، وفق التقديرات الواردة في المعطيات المقدمة.

وهنا تبرز إحدى المعضلات الأساسية أمام الحكومة المقبلة: كيفية توسيع نطاق الحماية الاجتماعية من دون تحويل الالتزامات الجديدة إلى أعباء دائمة على المالية العمومية.

القدرة الشرائية في صدارة الأولويات

وضع فوزي لقجع، عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، ملف القدرة الشرائية في صدارة التحديات التي يفترض أن تواجه الائتلاف الحكومي.

وقال إن الحزب يرفض استمرار الصعوبات التي تواجهها الأسر في تأمين حاجياتها اليومية وحاجيات أطفالها، مشيراً إلى أن الحزب أعد تشخيصاً لمصادر أزمة القدرة الشرائية ومقترحات لمعالجتها.

ودعا لقجع، في هذا السياق، حلفاءه إلى مناقشة الحلول على أساس الأرقام والمعطيات، بما يسمح بتحويل النقاش من مستوى الشعارات إلى سياسات قابلة للقياس والتنفيذ.

غير أن رشيد الساري يشير إلى أن تحسين القدرة الشرائية لا يعني بالضرورة عودة الأسعار إلى مستوياتها السابقة، معتبراً أن التحولات الاقتصادية الراهنة تجعل من الصعب افتراض انخفاض بعض الأسعار إلى مستويات ما قبل موجات التضخم الأخيرة.

إصلاح الضريبة على الدخل.. أول اختبار في قانون المالية

وتكتسي الوعود المتعلقة بالنظام الضريبي أهمية خاصة، بالنظر إلى أن الحكومة المقبلة ستجد نفسها أمام أول اختبار عملي عند إعداد مشروع قانون المالية لعام 2027.

ويقترح حزب الأصالة والمعاصرة إعادة هيكلة الضريبة على الدخل عبر الانتقال من ست شرائح إلى ثلاث، مع إعفاء الأجور الإجمالية التي تقل عن 15 ألف درهم شهرياً، وتطبيق معدل 10 في المائة على الشريحة الممتدة بين 15 ألفاً و46 ألف درهم، و20 في المائة على ما يتجاوز هذا المستوى، مقابل معدل هامشي أقصى يبلغ حالياً 37 في المائة.

ويرى الباحث بمركز السياسات من أجل الجنوب الجديد العربي الجعيدي أن احتساب الكلفة المالية لمثل هذا الإجراء ممكن، بالنظر إلى توفر المعطيات المتعلقة بالكتلة الأجرية في القطاعين العام والخاص.

وبحسب المعطيات التي يستند إليها الجعيدي، بلغت إيرادات الضريبة على الدخل نحو 70.4 مليار درهم سنة 2025، جاءت 73 في المائة منها من الأجور، أي ما يقارب 50 مليار درهم.

ويعني ذلك أن أي تخفيض واسع للضريبة على الأجور ستكون له انعكاسات مباشرة على موارد الدولة، ما يجعل تعويض الإيرادات المفقودة عبر توسيع الوعاء الضريبي وتحسين التحصيل أحد الشروط الأساسية لإنجاح الإصلاح.

الصحة.. التزام اجتماعي بكلفة متزايدة

ولا تقل ورشة الصحة تعقيداً عن ملفي التشغيل والضرائب. فقد خصص قانون المالية لعام 2026 نحو 42.2 مليار درهم لقطاع الصحة، مقابل 41.5 مليار درهم للحماية الاجتماعية.

وتشير معطيات الإحصاء العام للسكان والسكنى لعام 2024 إلى أن 69.8 في المائة من السكان صرحوا باستفادتهم من تغطية صحية، بينما يضع برنامج الحزب التأمين الإجباري عن المرض في قلب التزاماته الاجتماعية.

ويتوقع البرنامج بلوغ عجز في منظومة التأمين الإجباري عن المرض يصل إلى 33 مليار درهم قبل 2030، ويقترح التعامل معه ابتداء من قانون المالية لعام 2027، خصوصاً من خلال التحكم في أسعار الأدوية وتوحيد بروتوكولات العلاج.

كما يتعهد ببناء أربعة مستشفيات جامعية جهوية جديدة قبل نهاية 2028، في إطار ميثاق للمواطنة رُصد له، بحسب البرنامج، غلاف مالي يصل إلى 100 مليار درهم، إلى جانب تعميم التغطية الصحية وتعزيز البنية الاستشفائية.

من البرنامج الانتخابي إلى البرنامج الحكومي

تضع هذه الالتزامات حكومة المنصوري أمام اختبار يتجاوز حجم الإنفاق المعلن إلى تحديد مصادر التمويل، وجدولة التنفيذ، وترتيب الأولويات، وقدرة الاقتصاد على إنتاج الموارد اللازمة لتمويل التوسع في الدولة الاجتماعية.

فالـ350 مليار درهم التي يتحدث عنها الحزب ليست مجرد تقدير مالي في وثيقة انتخابية، بل التزام يمتد لخمس سنوات، ويحتاج إلى نمو اقتصادي مستدام، وموارد جبائية إضافية، وإعادة ترتيب للإنفاق العمومي، فضلاً عن قدرة مؤسسات الدولة على تنفيذ الإصلاحات في آجالها.

ومن هذه الزاوية، سيكون الانتقال من البرنامج الحزبي إلى البرنامج الحكومي أول امتحان فعلي للائتلاف المرتقب. وستكتسب مناقشة قانون المالية لعام 2027 أهمية خاصة، باعتبارها اللحظة التي ستتحول فيها الوعود الانتخابية من أهداف معلنة إلى اعتمادات مالية وإجراءات وتشريعات وبرامج محددة.

في النهاية، لن يتحدد نجاح هذه المعادلة بحجم الوعود وحده، وإنما بمدى قدرة الحكومة المقبلة على التوفيق بين ثلاثة أهداف متزامنة: توسيع الحماية الاجتماعية وتحسين مستوى معيشة الأسر، خلق فرص عمل مستدامة، والحفاظ على التوازنات المالية والاقتصادية للدولة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com