أوروبا أمام اختبار سياسي حاسم: اليمين القومي يقترب من السلطة والاتحاد يخشى تحوّلاً بنيوياً
حنان الفاتحي
من إسبانيا إلى فرنسا وإيطاليا وبولندا، تضع الاستحقاقات الانتخابية المقبلة التوازنات السياسية الأوروبية أمام منعطف بالغ الحساسية، في ظل تراجع الأحزاب التقليدية وصعود تيارات قومية أكثر تشدداً، بما يهدد بإعادة رسم العلاقة بين العواصم الأوروبية ومؤسسات الاتحاد.
تدخل أوروبا مرحلة انتخابية استثنائية، تتجه خلالها أربع من أكبر خمس دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي من حيث عدد السكان إلى صناديق الاقتراع خلال اثني عشر شهراً، بالتوازي مع استحقاقات في دول أخرى. ولا تقتصر أهمية هذه الانتخابات على تغيير الحكومات أو إعادة توزيع المقاعد البرلمانية، بل تمتد إلى مستقبل المشروع الأوروبي نفسه، في ظل اتساع نفوذ اليمين القومي وتراجع قدرة القوى التقليدية على احتواء التحولات الاجتماعية والسياسية.
وتشكل إسبانيا إحدى المحطات الأولى في هذا المسار، بعدما أعلن رئيس الحكومة بيدرو سانشيز تقديم موعد الانتخابات التشريعية إلى 29 نوفمبر. ويجد الناخب الإسباني نفسه أمام مفاضلة تتجاوز التنافس بين اليسار واليمين، لتشمل طبيعة السياسات التي ستحدد موقع البلاد داخل الاتحاد الأوروبي، وحدود التعاون مع التيارات القومية الشعبوية. وتشير التوقعات الانتخابية الواردة في المعطيات المتداولة إلى تقدم الحزب الشعبي المحافظ، مع احتمال اعتماده على حزب «فوكس» لتشكيل أغلبية حاكمة.
من العزل السياسي إلى التطبيع مع اليمين المتطرف
يمثل التحول في موقف أحزاب اليمين التقليدي أحد أبرز ملامح المرحلة الراهنة. فبعد سنوات من اعتماد سياسة «الجدار الناري»، القائمة على رفض التحالف مع اليمين المتطرف، أصبحت قوى محافظة أكثر استعداداً للتفاوض معه أو إشراكه في الحكومات، سواء على المستوى الوطني أو الإقليمي.
ولا يتعلق الأمر بتطور معزول في إسبانيا، بل باتجاه يتسع في عدد من الدول الأوروبية، حيث لم تعد المشاركة الحكومية لليمين المتشدد خطاً أحمر بالنسبة إلى بعض الأحزاب المحافظة. ويمنح هذا التحول تلك التيارات فرصة الانتقال من موقع الاحتجاج والمعارضة إلى التأثير المباشر في السياسات العامة، ولا سيما في ملفات الهجرة والأمن والرفاه الاجتماعي والسيادة الوطنية.
غير أن المشهد لا يتوقف عند تقدم الأحزاب القومية القائمة؛ إذ تواجه هذه الأخيرة منافسة من تشكيلات أكثر راديكالية، تستثمر بدورها في الاستياء الاجتماعي وتتهم الأحزاب التقليدية بالتراجع عن وعودها. ويضع هذا التنافس اليمين القومي أمام معادلة معقدة: فكلما اقترب من السلطة، ازدادت الضغوط التي تدفعه إلى التشدد للحفاظ على قاعدته الانتخابية.
فرنسا في قلب المعركة الأوروبية
تكتسب الانتخابات الفرنسية أهمية استثنائية في هذه الدورة، بالنظر إلى الوزن السياسي والاقتصادي لفرنسا داخل الاتحاد الأوروبي، وإلى الدور الذي تضطلع به في صياغة القرارات المتعلقة بالدفاع والسياسة الخارجية والتكامل الأوروبي.
وتدخل مارين لوبان، زعيمة اليمين القومي، المشهد الرئاسي المحتمل مستفيدة من تراجع جاذبية جزء من القوى الوسطية وتشتت خصومها. ورغم محاولاتها تقديم حزبها باعتباره قوة سياسية قادرة على الحكم، من خلال إبعاد بعض الخطابات العنصرية الصريحة وتعزيز صورته في المجال المالي، فإن برنامجه يظل مثار خلاف واسع بسبب مقترحاته المتعلقة بالسيادة الوطنية والعلاقة مع المؤسسات الأوروبية.
وتشمل هذه التوجهات تقليص مساهمة فرنسا في ميزانية الاتحاد الأوروبي، وتشديد القيود على سياسة اللجوء المشتركة، ومنح الشركات الفرنسية أفضلية في بعض المجالات، فضلاً عن تأكيد أولوية القانون الفرنسي في مواجهة قواعد أوروبية. ومن شأن تطبيق هذه المقترحات أن يفتح مواجهة مؤسساتية مع بروكسل، وأن يضع مبدأ أولوية القانون الأوروبي أمام اختبار سياسي وقانوني جديد.
ولا تكمن المخاطر في احتمال فوز مرشحة تنتمي إلى اليمين القومي فحسب، بل في قدرة رئيس فرنسي يمتلك تفويضاً انتخابياً مباشراً على بناء تحالفات مع حكومات أوروبية تتبنى مواقف متشككة في مسار الاندماج. وعندئذ، قد تنتقل الخلافات من مستوى الاعتراض على بعض القرارات إلى محاولة إعادة تحديد صلاحيات الاتحاد وحدود سلطته.
إيطاليا وبولندا: بين البراغماتية والتشدد
في إيطاليا، تقدم جورجيا ميلوني نموذجاً يكشف التناقضات التي تواجه اليمين القومي عندما ينتقل إلى الحكم. فعلى الرغم من خلفيتها السياسية، اتبعت حكومتها نهجاً براغماتياً في عدد من الملفات، والتزمت بقيود مالية أوروبية، وأبدت تعاوناً مع المفوضية الأوروبية، كما واصلت دعم أوكرانيا.
لكن هذا المسار يواجه تحديات داخلية، في ظل صعود أصوات أكثر تشدداً، من بينها التيار المرتبط بالجنرال السابق روبرتو فاناتشي وحركة «المستقبل الوطني». وقد يدفع التنافس على أصوات اليمين ميلوني إلى إعادة النظر في بعض خياراتها، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاقات المقبلة وتراجع بعض أدوات الضغط المالي التي كانت متاحة لبروكسل خلال مرحلة التعافي من جائحة كوفيد-19.
وفي بولندا، تتوزع الأصوات اليمينية بين أحزاب محافظة وقومية، في وقت يواجه فيه حزب القانون والعدالة تحديات داخلية وتراجعاً نسبياً في شعبيته لصالح قوى أكثر تشدداً. وإذا تمكنت هذه التيارات من تنسيق مواقفها، فقد تكتسب وزناً انتخابياً مؤثراً، حتى وإن ظلت قدرتها على تشكيل حكومة موحدة رهينة الخلافات بينها وبطبيعة التحالفات الممكنة.
أما في ألمانيا، فتثير خسائر الحزب المحافظ في بعض المناطق الشرقية مخاوف بشأن استقرار المشهد السياسي، خصوصاً إذا ترجمت الانتخابات الإقليمية المقبلة إلى ضغوط إضافية على المستشار فريدريش ميرتس. وتكشف هذه التطورات أن التحدي لا يقتصر على الدول التي تتصدر فيها الأحزاب القومية استطلاعات الرأي، بل يشمل أيضاً الأنظمة السياسية التي كانت تعد أكثر قدرة على احتواء صعودها.
لماذا يتقدم اليمين القومي؟
يصعب تفسير هذا التحول بالاحتجاج على الهجرة وحدها. فالتغيرات الديموغرافية والاجتماعية، وتراجع الولاء للأحزاب التقليدية، وتفتت الأنظمة الحزبية، واشتداد الاستقطاب، كلها عوامل ساهمت في جعل المنافسة الانتخابية أكثر تقلباً.
كما أدت الضغوط المعيشية وضعف النمو الاقتصادي والمخاوف المرتبطة بالوظائف والخدمات العامة إلى توسيع دائرة الناخبين المستعدين لمعاقبة القوى الحاكمة. وفي هذا السياق، تجد الأحزاب القومية فرصة لتقديم خطاب مباشر يربط الأزمات بمسائل الهجرة والعولمة وفقدان السيطرة على القرار الوطني.
وتؤدي وسائل التواصل الاجتماعي دوراً إضافياً في تعزيز هذا الاتجاه، بفضل قدرتها على نشر الرسائل المختصرة والمثيرة وتعبئة الجمهور حول قضايا خلافية. وقد طورت هذه الأحزاب أساليب تواصل رقمية تستفيد من الخوارزميات ومن سرعة تداول المحتوى، في حين تواجه الأحزاب التقليدية صعوبة متزايدة في إيصال برامجها المعقدة إلى جمهور يتسم بتراجع الثقة في المؤسسات.
وتستهدف الرسائل القومية، على وجه الخصوص، فئات تشعر بأنها لم تستفد بما يكفي من التحولات الاقتصادية، أو ترى أن مصالحها لم تعد تحظى بالأولوية. ومن هنا، تكتسب شعارات من قبيل «المواطنون أولاً» جاذبية انتخابية، لأنها تقدم إجابات بسيطة عن مشكلات مركبة، وتربط استعادة السيطرة الوطنية بإعادة ترتيب أولويات الإنفاق والوظائف والحماية الاجتماعية.
وفي المقابل، ساهم عجز بعض الأحزاب التقليدية عن تقديم حلول مقنعة، أو افتقارها إلى خطاب واضح بشأن القضايا الأكثر إلحاحاً، في إضعاف موقعها. ولم يعد الناخب يمنح صوته بالضرورة على أساس الانتماء التاريخي أو الولاء الحزبي، بل أصبح أكثر استعداداً لتغيير اختياره من انتخابات إلى أخرى.
أوكرانيا والميزانية الأوروبية في دائرة الخطر
من بين الملفات التي قد تتأثر مباشرة بصعود اليمين القومي، تبرز الحرب الروسية الأوكرانية. فاختلاف مواقف هذه الأحزاب من الدعم العسكري والعقوبات المفروضة على موسكو ومستقبل انضمام كييف إلى الاتحاد الأوروبي قد يجعل الحفاظ على موقف أوروبي موحد أكثر صعوبة.
وتعكس مواقف لوبان هذا التحدي، من خلال تحفظاتها على المساعدات الثنائية لأوكرانيا، باستثناء بعض أوجه التعاون العسكري، وتشكيكها في العقوبات ورفضها انضمام كييف إلى الاتحاد الأوروبي. وإذا وصلت إلى الرئاسة الفرنسية، فقد تتغير طبيعة النقاش الأوروبي بشأن استمرار الدعم لأوكرانيا، خاصة إذا تزامن ذلك مع وصول حكومات أخرى تتبنى مواقف مماثلة.
ولا يتعلق الأمر بالسياسة الخارجية وحدها، بل يمتد إلى الميزانية الأوروبية وآليات التضامن بين الدول الأعضاء. فقد يؤدي تزايد النزعة الوطنية في تحديد أولويات الإنفاق إلى إضعاف قدرة الاتحاد على تمويل سياسات مشتركة، أو إلى تصاعد الخلافات بشأن توزيع الأعباء الاقتصادية والاجتماعية.
ومع ذلك، لا يعني صعود اليمين القومي بالضرورة أن جميع الحكومات التي تمثله ستتبنى السياسات نفسها. فقد أظهرت التجربة الإيطالية أن مقتضيات الحكم والعلاقات الاقتصادية والالتزامات الدولية قد تدفع بعض القادة إلى اعتماد مقاربة أكثر واقعية مما يوحي به خطابهم الانتخابي. غير أن استمرار هذا النهج يظل مرتبطاً بقدرتهم على مقاومة الضغوط الداخلية والمنافسة من تيارات أشد تطرفاً.
اختبار وجودي أم إعادة تشكيل للمشروع الأوروبي؟
يواجه الاتحاد الأوروبي اليوم تحدياً مختلفاً عن الخلافات التي عرفها مع حكومات متشككة في الاندماج، مثل حكومة فيكتور أوربان في المجر. فانتشار الاتجاه نفسه في عدة دول رئيسية قد يحول الاعتراض من حالة وطنية محدودة إلى عامل مؤثر في توازن المؤسسات الأوروبية وقدرتها على اتخاذ القرار.
وفي أفضل السيناريوهات بالنسبة إلى أنصار التكامل الأوروبي، قد تحافظ القوى الوسطية على مواقعها في بعض الدول، وتواصل الحكومة الإيطالية نهجها العملي، فيما تدفع حكومة إسبانية محافظة نحو تعزيز التعاون الأوروبي في ملفات الدفاع والعلاقات التجارية مع الصين. لكن هذه الاحتمالات تظل مرتبطة بنتائج انتخابية لم تُحسم بعد، وبقدرة الأحزاب على تشكيل أغلبيات مستقرة.
وتتجاوز دلالات الدورة الحالية حدود التنافس الحزبي، إذ تعكس انتقالاً تدريجياً في مركز الثقل السياسي الأوروبي، من مرحلة هيمنت فيها قوى الوسط واليسار خلال أواخر التسعينيات، إلى مرحلة يتقدم فيها اليمين القومي مستفيداً من الأزمات الاقتصادية والتحولات الاجتماعية وتراجع الثقة في النخب الحاكمة.
ولا يبدو أن مستقبل الاتحاد سيتحدد بانتخابات واحدة أو بفوز حزب بعينه، بل بمدى قدرة المؤسسات الأوروبية على التكيف مع مطالب الناخبين من دون التفريط في المبادئ التي قام عليها المشروع المشترك. فالتحدي الحقيقي يتمثل في التوفيق بين السيادة الوطنية والتعاون الأوروبي، وبين حماية المصالح الاجتماعية والحفاظ على الالتزامات المشتركة.
وفي هذا السياق، ستكون فرنسا إحدى المحطات الأكثر حسماً، بالنظر إلى ثقلها داخل الاتحاد وإلى طبيعة الخيارات التي قد تطرحها قيادتها المقبلة. أما إذا تزامن التحول السياسي في باريس مع صعود حكومات قومية في عواصم أخرى، فقد يجد الاتحاد نفسه أمام مرحلة جديدة لا تقتصر على تعديل سياساته، بل تمتد إلى إعادة تعريف قواعد عمله وحدود وحدته.
إن أوروبا لا تواجه مجرد موجة انتخابية عابرة، بل اختباراً لقدرتها على تجديد مشروعها السياسي والاجتماعي في بيئة تتزايد فيها النزعات الانعزالية. والنتيجة لن تحدد فقط هوية الحكومات المقبلة، وإنما ستؤثر أيضاً في مستقبل التضامن الأوروبي، وموقع القارة على الساحة الدولية، وقدرتها على مواجهة أزماتها بقرار مشترك.