في الجزائر، لا تُقاس الهزيمة الكروية بنتيجة المباراة، بل بحجم السردية التي تُبنى بعدها. الخسارة أمام نيجيريا لم تُستقبل كمعطى رياضي طبيعي، بل كحادث سياسي–كوني يستوجب تفسيراً يتجاوز المستطيل الأخضر. لأن الاعتراف البسيط بأن المنتخب كان غائباً، وأن المنافس كان أقوى وأذكى تكتيكياً، يُعدّ لدى كثيرين ضرباً من جلد الذات غير المقبول.
من الناحية الكروية البحتة، كانت نيجيريا أكثر حضوراً، سيطرت على الإيقاع، عقدت اللعب، وأغلقت المساحات، بينما بدا المنتخب الجزائري وكأنه يلعب بنصف تركيز ونصف ذاكرة. الكرة كانت نيجيرية في أغلب فترات اللقاء، والضغط كان مدروساً، والتمركز منضبطاً. كل هذا، في أي مدرسة تحليلية محترمة، يكفي لتفسير الخسارة. لكن في الجزائر، التحليل لا يبدأ من الملعب… بل ينتهي خارجه.
سرعان ما تحوّل الحكم إلى المتهم الأول، ثم “الكولسة” كعنوان عام يصلح لكل المناسبات. وبعدها، وكما تعوّدنا، يظهر المغرب في المشهد، ليس كجار أو منافس رياضي، بل كفاعل خفي في كل ما يحدث. فوز نيجيريا؟ لا بد أن خلفه خيوطاً غير مرئية. لقجع حاضر، حتى وإن لم يكن حاضراً، ناطحة سحاب في الرباط يُشتبه في دورها النفسي، شرطي مرور مجهول قد يكون أثّر على توازن الكون، ومع قليل من الحنين التاريخي يعود حسني مبارك وصدام حسين لإكمال الصورة، لأن المؤامرة، كي تكون مقنعة، يجب أن تكون شاملة وعابرة للأزمنة.
المفارقة أن هذا الخطاب لا يحمي المنتخب بقدر ما يُعفيه من المساءلة. فالهروب الجماعي من الاعتراف بالقصور الفني، وسوء الاختيارات، وغياب الروح، يُحوّل الخسارة إلى شماعة، لا إلى درس. في كرة القدم الحديثة، الهزيمة جزء من البناء، شرط أن تُفهم وتُحلَّل. أما حين تتحول إلى “مؤامرة دائمة”، فهي لا تُنتج سوى الإحباط وتكرار الأخطاء.
في النهاية، المشكلة ليست في الخسارة أمام نيجيريا، فالهزيمة واردة أمام منتخب منظم وقوي. المشكلة الحقيقية هي في العجز عن قول جملة بسيطة: “كنا غائبين، وهم كانوا أفضل”. في الجزائر، هذه الجملة ما تزال أصعب من أي خسارة.