أوروبا في مواجهة الانعطاف الأميركي: من الشراكة الاستراتيجية إلى منطق الابتزاز الجيوسياسي
بوشعيب البازي
بروكسل : لم يعد دونالد ترامب يشكّل مصدر قلق للأعداء التقليديين للولايات المتحدة بقدر ما أصبح عامل اضطراب استراتيجي داخل المعسكر الغربي نفسه. فمقاربة الإدارة الأميركية الحالية تجاه أوروبا، سواء في ملف الحرب الأوكرانية أو في مسألة غرينلاند التابعة للدانمارك، تكشف تحوّلًا بنيويًا في تصور واشنطن لدورها العالمي، ولطبيعة تحالفاتها التاريخية.
للمرة الأولى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تبدو أوروبا الغربية، التي شكّلت الركيزة الجيوسياسية الأساسية للهيمنة الأميركية، خارج دائرة الأولويات الاستراتيجية لواشنطن. بل أكثر من ذلك، تظهر القارة العجوز وكأنها تحوّلت في نظر إدارة ترامب من شريك استراتيجي إلى عبء سياسي واقتصادي، بل وحتى إلى مجال مفتوح لإعادة الهندسة السياسية عبر تشجيع صعود أحزاب اليمين المتطرف، بغض النظر عن المخاطر البنيوية التي تمثلها هذه القوى على التماسك الاجتماعي والديمقراطي الأوروبي.
تفكك الإرث الأطلسي
تكمن صعوبة المرحلة الراهنة في أن أوروبا تجد نفسها مضطرة للتعامل مع إدارة أميركية قررت عمليًا القطيعة مع الإرث الأطلسي الذي تأسس بعد 1945، وتعزز خلال الحرب الباردة، وبلغ ذروته مع سقوط جدار برلين سنة 1989. ذلك الإرث لم يكن مجرد تحالف عسكري، بل منظومة قيمية–مؤسساتية قامت على مفاهيم السيادة، وعدم تغيير الحدود بالقوة، والتكامل الاقتصادي، والأمن الجماعي.
موقف إدارة ترامب من الحرب الأوكرانية يشكّل الاختبار الأكثر خطورة لهذا التحول. فبدل اعتبار العدوان الروسي تهديدًا مباشرًا للأمن الأوروبي، تتعامل واشنطن معه كملف قابل للمقايضة الجيوسياسية، حيث تصبح الأراضي الأوكرانية ورقة تفاوض، ويُطلب من كييف القبول بخسارة القرم وأجزاء من الشرق الأوكراني مقابل “وقف الحرب”.
هذا المنطق لا يعني فقط مكافأة موسكو على استخدام القوة، بل ينسف الأسس التي قام عليها النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، ويفتح الباب أمام شرعنة منطق مناطق النفوذ، على حساب سيادة الدول الصغيرة والمتوسطة.
غرينلاند: الجغرافيا تعود إلى الواجهة
في السياق ذاته، لا يمكن فصل الإصرار الأميركي على ضم غرينلاند عن هذا الانعطاف الجيوسياسي. فغرينلاند ليست مجرد جزيرة نائية، بل عقدة استراتيجية في معادلات القطب الشمالي، والطاقة، والممرات البحرية المستقبلية. غير أن طريقة طرح الملف، عبر التلويح بالضم “بالتراضي أو بالقوة”، تمثل قطيعة صريحة مع الأعراف الدبلوماسية بين الحلفاء.
اللافت أن الدانمارك، الدولة العضو في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، وجدت نفسها مضطرة لطلب دعم عسكري أوروبي لدراسة سيناريوهات مواجهة ضغط أميركي. وهو تطور كان من المستحيل تصوره قبل سنوات قليلة، ويعكس حجم التصدع في الثقة داخل المعسكر الغربي.
أوكرانيا بين التهاون الأميركي والإنهاك الروسي
في المقابل، ورغم الضعف البنيوي الذي كشفته الحملة العسكرية الروسية في أوكرانيا، لا تزال أوروبا عاجزة عن ترجمة هذا الضعف إلى قدرة ردع مستقلة. فقد أخطأ فلاديمير بوتين في تقدير سرعة الحسم، وتحولت “العملية الخاصة” إلى حرب استنزاف طويلة كشفت هشاشة الجيش الروسي. ومع ذلك، فإن غياب موقف أميركي حازم يمنح موسكو هامش مناورة استراتيجيًا، ويطيل أمد النزاع.
الأخطر من ذلك أن تهاون واشنطن يبعث برسالة واضحة إلى العالم مفادها أن استخدام القوة يمكن أن يصبح أداة تفاوضية مشروعة، طالما أن ميزان القوى يسمح بذلك.
أوروبا أمام اختبار المصير
أمام هذا الواقع، لم يعد السؤال المطروح يقتصر على مستقبل الاتحاد الأوروبي أو حلف شمال الأطلسي، بل يتجاوز ذلك إلى مسألة القدرة الأوروبية على الوجود كفاعل جيوسياسي مستقل. فالقارة التي فشلت، رغم إمكاناتها الاقتصادية، في بناء منظومة دفاع ذاتية فعالة، تجد نفسها اليوم أمام فراغ استراتيجي خطير.
التحول الأميركي يفرض على أوروبا إعادة تعريف دورها، ليس فقط كحليف تابع، بل كقطب قادر على الدفاع عن مصالحه وقيمه. غير أن هذا التحول يتطلب إرادة سياسية موحدة، واستثمارات ضخمة في الأمن والدفاع، وهو ما لا تزال العواصم الأوروبية مترددة في الالتزام به.
عالم يتفكك من داخله
في المحصلة، لا يبدو أن هناك تفسيرًا عقلانيًا متماسكًا لسلوك دونالد ترامب تجاه أوروبا، سوى إعجابه الواضح بالنماذج السلطوية، وعلى رأسها نموذج فلاديمير بوتين، وسعيه إلى إعادة تشكيل النظام الدولي وفق منطق الصفقات لا القيم.
هكذا، يدخل العالم مرحلة من السيولة الاستراتيجية، يتسع فيها الشرخ بين ضفتي الأطلسي، وتجد أوروبا نفسها لأول مرة منذ عقود أمام حقيقة قاسية: الحليف الأميركي لم يعد ضمانة، بل بات متغيرًا غير قابل للتنبؤ.
إنه عالم جديد، أقل استقرارًا، وأكثر قسوة، تُختبر فيه قدرة أوروبا على البقاء ككيان سياسي–استراتيجي، لا كملحق جغرافي لإمبراطورية تعيد تعريف نفسها على أنقاض النظام الذي ساهمت في بنائه.