لم يعد خافياً على المتابع للشأن السياسي الوطني أن خطاب الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، السيد عبد الإله بن كيران، يفتقر منذ سنوات إلى مضمون برامجي واضح أو رؤية سياسية متكاملة تخاطب الحاضر وتستشرف المستقبل. فمنذ عودته إلى واجهة المشهد الحزبي، لم يقدم للرأي العام تصورات عملية أو مقترحات واقعية تستجيب لانشغالات المواطن المغربي بقدر ما أعاد إنتاج خطاب قائم على استدعاء الماضي، وتصفية حسابات سياسية، واستحضار وقائع انتهى سياقها وزمنها.
يغلب على هذا الخطاب منطق التذمر واستحضار أسماء خصوم سياسيين في سياق شخصي: فلان فعل، وفلان قال، وفلان ظلمني، دون أن يترجم ذلك إلى مشروع سياسي متماسك أو برنامج إصلاحي قابل للتنفيذ. وهو أسلوب لا يخدم لا النقاش العمومي ولا يعكس نضجًا سياسياً يوازي حجم التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها البلاد.
حاجة ملحّة إلى خطاب سياسي مسؤول
إن المواطن المغربي اليوم لا يبحث عن زعيم يستعيد سرديات الماضي أو يلعب دور الضحية، بل عن قيادات سياسية تمتلك الكفاءة والقدرة على ابتكار حلول ملموسة لمشاكل البطالة، والتعليم، والصحة، وغلاء المعيشة، وعن خطاب قادر على إقناع المواطن بالانخراط الإيجابي في مسارات الإصلاح التي تقودها الدولة.
كما أن توظيف الدين أو القضايا الكبرى، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، في سياقات انتخابية ضيقة، يطرح إشكالاً أخلاقياً وسياسياً، ويفرغ هذه القضايا من بعدها الإنساني والوطني، محولاً إياها إلى أدوات للاستقطاب العاطفي بدل أن تكون مجالاً للتوافق الوطني الرصين.
من التراشق السياسي إلى منطق التوافق
تحتاج المرحلة الراهنة إلى خطاب سياسي جديد يقوم على التعاون، والتفاهم، وبناء التوافقات حول المصلحة العليا للوطن، لا على التراشق اللفظي، أو الاتهامات المجانية، أو استدرار التعاطف عبر خطاب عاطفي يفتقر إلى العمق الاستراتيجي.
فالديمقراطية لا تُقاس بحدة الخطاب، بل بقدرته على إنتاج حلول، وعلى تأطير المواطنين داخل رؤية جماعية واضحة، وعلى تقديم بدائل واقعية داخل المؤسسات، لا خارجها.
تجديد القيادة… ضرورة لا خيار
في هذا السياق، يبدو أن حزب العدالة والتنمية مدعو اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى مراجعة خطابه وتجديد نخبته القيادية. فالتجربة السياسية، مهما كانت مكانتها، لها سقف زمني، والزعامة التي لا تتجدد تتحول من رافعة إلى عبء.
فيما يلي إعادة صياغة الفقرة بصيغة مهنية ومنسجمة مع المقال دون ذكر أي اسم غير رسمي:
وفي الإطار ذاته، اعتبر عدد من المتابعين أن الأمين العام لحزب العدالة والتنمية عبد الإله بن كيران لم يكن موفقاً في انتقاده للتصريحات التي أدلى بها وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج ناصر بوريطة، خلال مشاركته في اجتماع لمجلس السلم، خاصة تلك المتعلقة بالدعوة إلى ترسيخ قيم التعايش ونبذ خطاب الكراهية.
ويرى هذا الطرح أن هذا الموقف ينطوي على خطأين أساسيين؛ أولهما توجيه انتقاد علني لمسؤول حكومي أثناء قيامه بمهمة رسمية تمثل المملكة في سياق دبلوماسي دقيق، وهو ما لا ينسجم مع متطلبات المرحلة التي تفرض توحيد الجبهة الداخلية ودعم من يتولون الدفاع عن المصالح العليا للبلاد في المحافل الدولية. أما الخطأ الثاني، فيتجلى في الاعتراض الضمني على مبادئ التعايش ومحاربة التطرف، وهو ما يُفهم على أنه تعبير عن خلفية إيديولوجية لا تتماشى مع التوجه الرسمي للمغرب القائم على الانفتاح والاعتدال ونبذ التعصب، وقد يسيء إلى صورة المبادرات الإنسانية والدبلوماسية التي يقودها المغرب على الصعيدين الإقليمي والدولي.
ويخلص هذا التوجه إلى أن المصلحة الوطنية، في مثل هذه الظرفيات الحساسة، تقتضي تغليب منطق التماسك الداخلي ودعم العمل الدبلوماسي الرسمي، مع جعل أولوية «المغرب أولاً» مبدأً موجهاً للمواقف السياسية، بعيداً عن الحسابات الحزبية الضيقة أو المزايدات الإيديولوجية.
لقد استنفذ عبد الإله بن كيران، في نظر كثيرين، دوره السياسي، ولم يعد يمتلك ما يضيفه لا للحزب ولا للمشهد الوطني. ومكانه الطبيعي اليوم هو التقاعد السياسي، وفتح المجال أمام طاقات شابة قادرة على مواكبة التحولات العميقة التي تعرفها الدولة المغربية، والانخراط في منطق البناء بدل اجترار الصراعات.
إن المغرب في حاجة إلى نخبة سياسية جديدة، بخطاب حديث، وبرؤية واقعية، وبقدرة على التفاعل الإيجابي مع انتظارات المواطنين، بعيداً عن الشعبوية، والحنين المرضي إلى الماضي، واستغلال المشاعر الدينية والقومية. فالمستقبل لا يُبنى بالدموع، بل بالكفاءة، والمسؤولية، والعمل الجاد.