مالي تعيد تموضعها في ملف الصحراء: قراءة في خلفيات التحول نحو دعم الوحدة الترابية للمغرب
مجدي فاطمة الزهراء
بروكسل – يشكل قرار مالي سحب اعترافها بجبهة “البوليساريو” وإعلان دعمها الصريح للوحدة الترابية للمملكة المغربية محطة سياسية لافتة في مسار التحولات التي تعرفها منطقة الساحل وغرب أفريقيا، باعتبار أن الخطوة تتجاوز بعدها الدبلوماسي المباشر لتلامس رهانات الأمن الإقليمي، وإعادة رسم التحالفات، وتغيير مقاربات عدد من الدول الأفريقية تجاه النزاعات المزمنة في القارة.
ويرى متابعون للشأن الأفريقي أن الموقف المالي الجديد لا يندرج فقط ضمن مراجعة شكلية لسياسة خارجية سابقة، بل يعكس توجهاً استراتيجياً لدى باماكو يقوم على إعادة تقييم الإرث السياسي القديم وفق معايير المصلحة الوطنية والتحولات الجيوسياسية الراهنة. ففي وقت تواجه فيه مالي تحديات أمنية معقدة، وتعمل على إعادة بناء تموقعها الإقليمي والدولي، بات من الطبيعي أن تراجع مواقف صيغت في سياقات تاريخية مغايرة.
نهاية إرث الثمانينيات
الاعتراف المالي السابق بـ”البوليساريو”، الذي يعود إلى سنة 1980، جاء في مرحلة كانت فيها الانقسامات الإيديولوجية وحسابات الحرب الباردة تؤثر بقوة في توجهات عدد من الدول الأفريقية. أما اليوم، فقد تغيرت البيئة الدولية والإقليمية بشكل جذري، وأصبحت الدول تقيس مواقفها بميزان الأمن والتنمية والشراكات النافعة، أكثر من ارتباطها بالشعارات أو الاصطفافات التقليدية.
ومن هذا المنطلق، فإن قرار باماكو يمكن اعتباره إعلاناً عملياً عن نهاية مرحلة سياسية قديمة، وبداية مقاربة جديدة أكثر ارتباطاً بالواقع الميداني وموازين المصالح.
توتر مع الجزائر وانفتاح على شركاء جدد
يأتي هذا التحول أيضاً في سياق العلاقات المتوترة بين مالي والجزائر خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد تباين الرؤى حول كيفية معالجة أزمات الساحل، والتعامل مع الجماعات المسلحة، ومسار التسويات السياسية في شمال مالي. وقد أدى هذا التوتر إلى تقليص مساحة التنسيق التقليدي بين البلدين، وفتح الباب أمام باماكو للبحث عن شركاء جدد أكثر انسجاماً مع أولوياتها الحالية.
في هذا السياق، برز المغرب باعتباره فاعلاً إقليمياً قادراً على تقديم بدائل سياسية وتنموية، من خلال مقاربة تقوم على التعاون العملي، والاستثمار، وتبادل الخبرات، ودعم الاستقرار. وهو ما يفسر تنامي التقارب بين الرباط وباماكو خلال السنوات الأخيرة.
الحكم الذاتي كخيار واقعي
ضمن هذا السياق، تبدو المبادرة المغربية للحكم الذاتي بالنسبة لصناع القرار في مالي مقترحاً واقعياً وذا قابلية للتطبيق، خاصة إذا ما قورن بخيارات ظلت تراوح مكانها لعقود دون نتائج ملموسة.
فالدول التي تعيش تحديات أمنية داخلية، كما هو حال مالي، تميل غالباً إلى دعم الحلول السياسية التي تحفظ وحدة الدول وتضمن الاستقرار، بدل الانخراط في مشاريع انفصالية قد تفتح الباب أمام مزيد من التفكك في القارة.
ومن ثم، فإن دعم باماكو للمبادرة المغربية لا يرتبط فقط بالعلاقات الثنائية، بل يعكس أيضاً قناعة متزايدة لدى عدد من العواصم الأفريقية بأن الواقعية السياسية أصبحت أكثر إلحاحاً من استمرار نزاع استنزف المنطقة طويلاً دون أفق واضح.
تجربة مالي مع النزعات الانفصالية
لا يمكن فهم القرار المالي بعيداً عن التجربة الداخلية للبلاد مع الحركات المسلحة والانفصالية في الشمال. فقد خاضت باماكو خلال العقدين الأخيرين صراعاً معقداً ضد جماعات مسلحة رفعت مطالب انفصالية، ما جعل قضية وحدة الدولة بالنسبة للنخب المالية مسألة سيادية لا تقبل المساومة.
ومن الطبيعي، في ضوء هذه التجربة، أن تصبح السلطات المالية أكثر تحفظاً تجاه أي أطروحات مشابهة خارج حدودها، خاصة إذا ارتبطت بمناطق هشة أمنياً أو محاطة ببيئات غير مستقرة.
هذا الإدراك الأمني الجديد جعل عدداً من الدول في الساحل تنظر إلى ملفات الانفصال من زاوية تأثيرها على الاستقرار الإقليمي، وليس فقط من منظور قانوني أو سياسي مجرد.
المغرب يعزز حضوره في الساحل
في المقابل، نجح المغرب خلال السنوات الماضية في بناء حضور متنامٍ داخل منطقة الساحل عبر أدوات متعددة، شملت التعاون الاقتصادي، والتكوين الديني، والدعم الإنساني، وتبادل الخبرات الأمنية، إلى جانب الاستثمار في الرأسمال البشري من خلال المنح الدراسية وتسهيل تنقل الطلبة والأطر.
وقد أسهم هذا الحضور المتوازن في ترسيخ صورة المغرب كشريك موثوق لدى عدد من الدول الأفريقية، خصوصاً تلك التي تبحث عن شراكات قائمة على المنفعة المتبادلة واحترام السيادة الوطنية.
ومن هنا، فإن الإجراءات التي أعلنت عقب القرار المالي، من قبيل تسهيل التنقل ورفع عدد المنح الدراسية، تعكس إرادة مشتركة لتحويل التقارب السياسي إلى مشاريع ملموسة ذات أثر مباشر على المواطنين.
إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية
قرار مالي لا يبدو حدثاً معزولاً، بل يدخل ضمن مسار أوسع تعيشه منطقة الساحل، حيث تعاد صياغة التحالفات وفق أولويات الأمن والتنمية، في ظل تراجع الأطر التقليدية وصعود مقاربات أكثر براغماتية.
فالدول الأفريقية باتت أكثر ميلاً إلى مراجعة مواقفها التاريخية عندما تصبح تلك المواقف غير منسجمة مع مصالحها الراهنة. وهذا ما يمنح القرار المالي بعداً رمزياً يتجاوز حدود البلد نفسه، باعتباره مؤشراً على تحولات أعمق داخل القارة.
إن إعلان مالي دعم الوحدة الترابية للمغرب وسحب اعترافها بـ”البوليساريو” يمثل تطوراً سياسياً مهماً في لحظة إقليمية دقيقة. فهو يعكس نضجاً جديداً في قراءة النزاعات، وتقديماً لمنطق الدولة والاستقرار على حساب الاصطفافات القديمة.
كما يؤكد أن ملف الصحراء يشهد تحولاً متواصلاً في مواقف عدد من الدول الأفريقية، لصالح مقاربة واقعية ترى في المبادرة المغربية للحكم الذاتي أساساً جدياً لتسوية نهائية تحفظ الأمن وتدعم التنمية في المنطقة.