بوليساريو بين خطاب الأمس وواقعية اليوم.. مؤشرات التراجع أمام صعود مبادرة الحكم الذاتي
بوشعيب البازي
تشير المعطيات السياسية الأخيرة إلى تحول لافت في خطاب جبهة بوليساريو الانفصالية، بعد سنوات طويلة من التمسك بأطروحات متجاوزة لم تعد تجد لها صدى داخل المنتظم الدولي. فالتصريحات المنسوبة إلى أحد قياديي الجبهة، محمد يسلم بيسط، والتي أوردتها صحيفة الباييس الإسبانية، تعكس محاولة واضحة لإعادة تموقع سياسي يقر ضمنيا بانسداد الخيارات السابقة، ويفتح الباب أمام مناقشة مبادرة الحكم الذاتي التي يطرحها المغرب باعتبارها الحل الأكثر واقعية وجدية.
فالجبهة التي ظلت لعقود ترفع شعار “الاستفتاء” وتلوّح أحيانا بخيار السلاح، تجد نفسها اليوم مضطرة إلى مراجعة خطابها تحت ضغط التحولات الدولية والإقليمية، وتراجع الدعم السياسي لأطروحتها، مقابل تنامي التأييد الدولي لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
اعتراف ضمني بفشل الخيارات السابقة
إقرار أحد مسؤولي الجبهة بأنه “لا حل خارج المفاوضات” يحمل دلالة سياسية عميقة، إذ يعكس اعترافا غير مباشر بفشل منطق التصعيد العسكري الذي لوّحت به الجبهة في مناسبات عدة، كما يكشف إدراكا متزايدا بأن المجتمع الدولي لم يعد ينظر بجدية إلى الخيارات الصدامية، بقدر ما يدفع نحو حل سياسي واقعي ومستدام.
وفي الوقت الذي حاول فيه المتحدث الانفصالي إبداء استعداد لمناقشة الحكم الذاتي، عاد ليضع تحفظات تقليدية مرتبطة بما يسميه “حق تقرير المصير”، في خطاب يبدو أقرب إلى محاولة التوفيق بين ضغط الواقع وحسابات الداخل، أكثر من كونه تحولا استراتيجيا واضحا.
مبادرة الحكم الذاتي تفرض نفسها
منذ تقديم المغرب لمبادرة الحكم الذاتي سنة 2007، رسخت هذه المبادرة موقعها كحل جدي وذي مصداقية، وهو ما تؤكده قرارات مجلس الأمن المتتالية، إلى جانب الدعم المتنامي من قوى دولية وازنة، في مقدمتها الولايات المتحدة، التي اعترفت بسيادة المغرب على صحرائه وتدعم بشكل صريح هذا المقترح.
كما شكل الموقف الإسباني الذي أعلنه رئيس الحكومة بيدرو سانشيز سنة 2022 نقطة تحول إضافية، حين اعتبرت مدريد أن المبادرة المغربية هي الأساس الأكثر جدية وواقعية لتسوية النزاع. وهو الموقف الذي أربك قيادة بوليساريو وداعميها، ودفعهم إلى مهاجمته سياسيا دون جدوى.
أزمة داخلية وتآكل الشرعية
يرى نبيل الأندلسي، الباحث في العلاقات الدولية، أن قيادة الجبهة تعيش أزمة مركبة، تجمع بين العزلة السياسية وفقدان المصداقية الداخلية، موضحا أن “استمرار مظاهر الفساد والريع داخل هياكل الجبهة، والاستفادة غير المشروعة من المساعدات الإنسانية، عوامل ساهمت في إضعاف قدرتها على تقديم نفسها كفاعل جاد يبحث عن تسوية واقعية”.
ويضيف أن إطالة أمد النزاع باتت بالنسبة لبعض القيادات وسيلة للحفاظ على امتيازات قائمة أكثر من كونها مشروعا سياسيا قابلا للحياة.
تندوف.. اليأس خلف الشعارات
التقارير الإعلامية الدولية، ومنها ما نشرته الباييس، ترصد حالة من الإحباط المتنامي داخل مخيمات تندوف، حيث يعيش آلاف المحتجزين منذ عقود في ظروف إنسانية صعبة، وسط انسداد سياسي كامل.
فبينما ما زال بعض السكان يرددون شعارات قديمة مرتبطة بـ”الاستقلال”، نتيجة عقود من التعبئة والدعاية، يعبر آخرون عن تشاؤمهم من أي مسار تفاوضي، معتبرين أن الملف أصبح رهينة حسابات القيادة، وأن المفاوضات لا تُستخدم إلا لكسب الوقت وإدامة الوضع القائم.
محاولة تجميل خطاب الانفصال
من جهته، يؤكد محمد الطيار، الباحث في الشؤون الأمنية والإستراتيجية، أن توقيت هذه التصريحات ليس بريئا، بل يعكس “محاولة لتجميل أطروحة الانفصال وتقديمها في صيغة دبلوماسية أكثر ليونة، بعد أن فقدت كل شرعية ميدانية وسياسية”.
ويرى أن الاستمرار في التمسك بخيار الاستفتاء لم يعد سوى رهان على وهم سياسي تجاوزه الزمن، خاصة في ظل استحالة تطبيقه قانونيا وعمليا، وتزايد الاقتناع الدولي بضرورة تبني حل سياسي واقعي قائم على التوافق.
واشنطن تغير قواعد اللعبة
التحركات الأميركية الأخيرة أظهرت رغبة واضحة في إعادة الملف إلى مسار سياسي عملي، من خلال استضافة لقاءات متعددة الأطراف، والانخراط المباشر في تقريب وجهات النظر بين المعنيين بالنزاع.
وفي موازاة ذلك، تشهد الساحة السياسية الأميركية تطورا لافتا، بعدما انخرط عدد من أعضاء الكونغرس ومجلس الشيوخ في مبادرات تدعو إلى تصنيف بوليساريو تنظيما إرهابيا، استنادا إلى تقارير تتحدث عن صلات مشبوهة وتحركات مقلقة في منطقة الساحل.
ورغم أن هذه المبادرات لم تتحول بعد إلى قرارات رسمية، فإن مجرد طرحها يعكس تغيرا نوعيا في النظرة إلى الجبهة داخل بعض الدوائر الأميركية، وانتقال النقاش من بعدها السياسي التقليدي إلى بعدها الأمني والإقليمي.
المغرب يربح معركة النفس الطويل
في المقابل، يواصل المغرب تعزيز موقعه الدبلوماسي عبر مقاربة تجمع بين الشرعية التاريخية، والتنمية الميدانية، والانفتاح السياسي، حيث قدم نسخة محينة من مقترح الحكم الذاتي تتضمن تفاصيل مؤسساتية وتنموية تستجيب لانتظارات الساكنة ولمقتضيات الحل الواقعي.
وبينما تتردد قيادة بوليساريو بين لغة الأمس وإكراهات اليوم، يبدو أن الزمن السياسي يتحرك في اتجاه واحد: ترسيخ مغربية الصحراء، وتكريس الحكم الذاتي كأفق نهائي لتسوية نزاع طال أكثر مما ينبغي.