خطاب العرش التشريعي يرسم ملامح مرحلة جديدة: المغرب يرفض الابتزاز الخارجي ويضع التنمية الترابية والشباب في صدارة الأولويات

بوشعيب البازي

من تدبير الشراكة مع إسبانيا إلى إصلاح الإدارة وتعزيز الاستثمار، يضع الملك محمد السادس الحكومة والبرلمان أمام اختبار الانتقال من التوجيهات الاستراتيجية إلى النتائج الملموسة.

لم يكن الخطاب الذي ألقاه الملك محمد السادس بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشرة مجرد عرض للأولويات الحكومية، بل حمل رسائل سياسية واستراتيجية تتصل بموقع المغرب في محيطه الدولي، وطبيعة شراكاته الخارجية، وحدود المسؤولية المتبادلة، فضلاً عن التحديات التنموية والاجتماعية التي يتعين على المؤسسات مواجهتها خلال المرحلة المقبلة.

وبين التشديد على استقلالية القرار الوطني والدعوة إلى مراجعة نموذج التعاون في مجال الهجرة، مروراً بتسريع اللامركزية الإدارية وإعطاء الأولوية للشباب، رسم الخطاب ملامح مقاربة تقوم على الجمع بين الدفاع عن المصالح السيادية للمملكة وإعادة ترتيب أولوياتها الداخلية. غير أن الرهان الأساسي لن يقتصر على وضوح التوجيهات، بل سيمتد إلى قدرة الحكومة والبرلمان والإدارات الترابية على تحويلها إلى سياسات قابلة للقياس والتقييم.

المغرب وإسبانيا: شراكة لا تستقيم بمنطق الضغط

احتل ملف الهجرة والتعاون مع إسبانيا موقعاً بارزاً في الرسائل التي تضمنها الخطاب الملكي، خصوصاً في ظل الإشكالات القانونية والإنسانية التي تثيرها أوضاع بعض المهاجرين المغاربة، ولا سيما القاصرين الموجودين في سبتة ومليلية.

وفي هذا السياق، أكد الملك محمد السادس أن المغرب رسخ مكانته الدولية باعتباره شريكاً مسؤولاً وموثوقاً، يحرص على الوفاء بالتزاماته، وينتظر من شركائه التعامل بالمستوى نفسه من المسؤولية. وهي رسالة تعيد التأكيد على أن التعاون بين الدول لا يمكن أن يقوم على الالتزامات الأحادية، ولا أن يتحول إلى وسيلة للضغط السياسي أو توظيف الملفات الإنسانية في التجاذبات الداخلية.

وقد وضع الخطاب، في هذا الإطار، مسألة التعاون في مجال الهجرة أمام مراجعة ضرورية، معتبراً أن النموذج الحالي لم يعد قادراً على الاستجابة بالشكل الكافي للتحديات المتجددة، وأن الأزمات المتكررة تكشف حدود المقاربات المعتمدة حتى الآن.

ورغم التطور الذي عرفته العلاقات المغربية الإسبانية خلال السنوات الأخيرة، فإن استمرار الخلافات المرتبطة بتدبير بعض ملفات الهجرة يبرز الحاجة إلى قواعد تعاون أكثر وضوحاً وفعالية، تحترم الالتزامات القانونية وتضمن تقاسم المسؤوليات بين الطرفين.

ولا تعني المطالبة بمراجعة هذا النموذج التنصل من مسؤولية حماية المواطنين المغاربة أو معالجة الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي تدفع بعضهم إلى الهجرة، وإنما تعني أن معالجة الظاهرة تقتضي مقاربة شاملة، تجمع بين حماية الحقوق، ومكافحة شبكات الاتجار بالبشر، وتعزيز التعاون القضائي والأمني، وتوسيع فرص التنمية.

السيادة الوطنية ورفض توظيف الملفات الإنسانية

حمل الخطاب الملكي تأكيداً واضحاً على أن الشراكة مع المغرب تظل خياراً سيادياً قائماً على الالتزام المتبادل، وليست علاقة قابلة لإعادة التشكيل تحت ضغط التصريحات السياسية أو الحملات الإعلامية.

وفي هذا الصدد، شدد الملك محمد السادس على أن الشراكة «لن تكون أبداً محل أي ضغط أو تهديد أو ابتزاز»، معلناً أن المغرب سيقدم إلى شركائه وثيقة تتضمن رؤية استراتيجية واضحة وعملية، تروم إرساء توجه جديد يعزز التنمية المشتركة والتنافسية الاقتصادية والاستقرار الإقليمي.

وتكتسب هذه الرسالة أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة العلاقات المغربية الأوروبية، التي تتجاوز ملف الهجرة لتشمل الأمن والتجارة والاستثمار والطاقة والتعاون الإقليمي. فاستدامة هذه العلاقات تقتضي الانتقال من التدبير الظرفي للأزمات إلى بناء آليات مؤسساتية قادرة على احتواء الخلافات قبل تحولها إلى مصدر للتوتر السياسي.

كما أن الحديث عن رؤية استراتيجية جديدة يعكس توجهاً نحو إعادة تحديد أولويات التعاون على أساس المصالح المشتركة، مع التشديد على أن الشراكة الفعلية لا تقاس فقط بحجم الاتفاقيات الموقعة، بل أيضاً بمدى احترام الالتزامات وتنفيذها بصورة متوازنة.

اللامركزية الإدارية: نهاية زمن الانتظار؟

على المستوى الداخلي، وجه الخطاب الملكي اهتماماً خاصاً إلى الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري، باعتبارهما ركيزتين أساسيتين لتقريب القرار من المواطنين، وتحسين جودة الخدمات العمومية، وتحقيق تنمية أكثر توازناً بين مختلف مناطق المملكة.

وفي هذا الإطار، شدد الملك على أن الرهان الحقيقي للمرحلة المقبلة يتمثل في العمل الميداني، والوقوف على المشكلات الفعلية لكل منطقة، والبحث عن حلول واقعية تستجيب لاحتياجات السكان. وهي مقاربة تضع الأداء الترابي في صلب تقييم السياسات العمومية، بدلاً من الاكتفاء بالمؤشرات العامة أو البرامج المعلنة مركزياً.

كما دعا إلى عدم التساهل مع التأخر في التفعيل الكامل لميثاق اللاتمركز الإداري، بما يقتضيه من نقل للصلاحيات والموارد البشرية والمالية الضرورية من المركز إلى الجهات والأقاليم.

وتكمن أهمية هذا التوجه في أن اللامركزية لا تتحقق بمجرد إحداث مؤسسات جهوية أو نقل بعض الاختصاصات شكلياً، بل تتطلب تمكين المسؤولين المحليين من الوسائل القانونية والمالية والإدارية التي تسمح لهم باتخاذ القرارات المناسبة في الوقت المناسب.

فمن غير المنطقي أن تتحمل المؤسسات الترابية مسؤولية الاستجابة لمطالب المواطنين، بينما تظل صلاحياتها محدودة وقراراتها مرتبطة بمساطر مركزية طويلة. كما أن تحسين الخدمات الصحية والتعليمية، وتطوير البنيات التحتية، وجذب الاستثمار المنتج، تظل أهدافاً صعبة التحقيق ما لم تتوافر إدارة ترابية قادرة على المبادرة والمحاسبة.

ومن هنا، فإن الرسالة الموجهة إلى الحكومة والبرلمان تتجاوز الدعوة إلى تسريع الإصلاح الإداري، لتطرح سؤالاً عملياً حول كيفية توزيع الاختصاصات والموارد، وضمان التنسيق بين مختلف مستويات الإدارة، وربط المسؤولية بالنتائج.

الشباب المغربي: من الخطاب الاجتماعي إلى تكافؤ الفرص

لم يفصل الخطاب الملكي بين الإصلاح المؤسساتي ومتطلبات العدالة الاجتماعية، بل جعل قضايا الشباب في صدارة الأولويات، من خلال الدعوة إلى تصور متكامل يضمن تكافؤ الفرص، ويشمل التعليم والتأهيل والإدماج الاقتصادي.

ويعكس هذا التركيز إدراكاً لأهمية الشباب في مستقبل البلاد، ليس فقط باعتبارهم فئة تحتاج إلى سياسات اجتماعية موجهة، بل بوصفهم قوة أساسية في الإنتاج والابتكار والمشاركة في الحياة العامة.

غير أن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذه الأولوية إلى برامج ملموسة قادرة على الاستجابة لانتظارات الشباب، خصوصاً في ما يتعلق بفرص العمل، وجودة التكوين، والانتقال من الدراسة إلى سوق الشغل، والحد من الفوارق المجالية التي تؤثر في فرص الارتقاء الاجتماعي.

فالثقة في المؤسسات لا تُبنى بالوعود وحدها، وإنما تتعزز حين يلمس المواطن أن الكفاءة والاجتهاد يفتحان أمامه آفاقاً حقيقية، وأن الانتماء إلى منطقة بعينها أو الوضعية الاجتماعية للأسرة لا يحددان مستقبله بصورة مسبقة.

ومن هذا المنطلق، فإن وضع الشباب في صلب السياسات العمومية يقتضي تنسيقاً فعلياً بين قطاعات التعليم والتكوين والتشغيل والاستثمار، إلى جانب تقييم مستمر لمدى قدرة البرامج المعتمدة على خلق فرص عمل مستدامة، لا مجرد معالجة ظرفية لمعدلات البطالة.

القطاع الخاص والاستثمار المنتج: مسؤولية تتجاوز الربح

وفي موازاة الإصلاح الإداري والاجتماعي، دعا الملك محمد السادس القطاع الخاص إلى الارتقاء بدوره في التحول التنموي، من خلال تعزيز المبادرة والابتكار، وتوسيع الاستثمار والتصدير، وخلق فرص الشغل.

وتبرز هذه الدعوة أهمية بناء علاقة أكثر تكاملاً بين الدولة والمقاولة، تقوم على توفير بيئة استثمارية مستقرة وتنافسية، مقابل مساهمة أكبر للقطاع الخاص في خلق القيمة المضافة وتطوير الاقتصاد الوطني.

فالتنمية المستدامة لا يمكن أن تظل رهينة الإنفاق العمومي وحده، كما لا يمكن قياس نجاح الاستثمار بحجم الأموال المرصودة فقط، دون النظر إلى أثره على التشغيل والإنتاجية والتوازن المجالي.

وفي ظل التقلبات التي تعرفها الأسواق الدولية وسلاسل التوريد، اكتسبت مسألة تأمين المواد الأساسية والاحتياطات الاستراتيجية أهمية متزايدة. لذلك دعا الخطاب إلى تطوير قدرات المغرب في هذا المجال، بما يعزز قدرته على مواجهة الأزمات الخارجية والحد من انعكاساتها على الاقتصاد الوطني.

وتتطلب الاستجابة لهذه التحديات تنويع مصادر التوريد، وتحسين آليات التخزين والتدبير، وتشجيع الإنتاج المحلي حيثما كان ذلك مجدياً اقتصادياً، فضلاً عن تطوير قدرة المقاولات المغربية على المنافسة في الأسواق الخارجية.

حكومة ومؤسسات أمام اختبار التنفيذ

تكشف مضامين الخطاب عن ترابط واضح بين الملفات الخارجية والأولويات الداخلية. فتعزيز مكانة المغرب كشريك دولي موثوق يرتبط أيضاً بقدرته على بناء اقتصاد تنافسي، وتطوير مؤسساته، وتحسين جودة خدماته العمومية، وتوسيع فرص الإدماج الاجتماعي.

كما أن الدفاع عن المصالح الوطنية في العلاقات الدولية لا ينفصل عن ضرورة معالجة الاختلالات الداخلية التي تؤثر في حياة المواطنين، سواء تعلق الأمر بالتشغيل أو الخدمات الأساسية أو التفاوتات بين الجهات.

ومن ثم، فإن المرحلة المقبلة تضع الحكومة والبرلمان أمام مسؤولية الانتقال من تحديد الأولويات إلى إرساء آليات واضحة للتنفيذ والتقييم والمحاسبة. ويشمل ذلك تسريع اللاتمركز الإداري، وتوجيه الاستثمار نحو الأنشطة المنتجة، وتحسين فرص الشباب، وضمان أن تنعكس الإصلاحات على الحياة اليومية للمواطنين في مختلف مناطق المملكة.

المغرب بين تحديات الخارج واستحقاقات الداخل

في المحصلة، يقدم الخطاب الملكي تصوراً لمرحلة تتطلب قدراً أكبر من الواقعية في تدبير العلاقات الخارجية، وفعالية أعلى في إدارة الشأن الداخلي. فالمغرب يؤكد تمسكه باستقلالية قراره ورفضه لأي ضغط يمس طبيعة شراكاته، وفي الوقت نفسه يقر بأن مواجهة التحولات الدولية تقتضي تقوية الاقتصاد الوطني، وتحديث الإدارة، والاستثمار في العنصر البشري.

لكن القيمة الحقيقية لهذه التوجيهات ستتحدد بمدى ترجمتها إلى نتائج ملموسة، لا بعدد الملفات التي تناولها الخطاب أو قوة الرسائل التي حملها. فنجاح المرحلة المقبلة يقتضي إدارة قادرة على التنفيذ، ومؤسسات تتحمل مسؤولياتها، ومقاولات تساهم في خلق الثروة وفرص العمل، وسياسات عمومية تجعل المواطن في صلب أولوياتها.

إن الرهان، في نهاية المطاف، هو بناء نموذج تنموي أكثر توازناً وفعالية، يحافظ على الثوابت الوطنية، ويستجيب في الوقت ذاته لتطلعات المجتمع. وبين متطلبات السيادة واستحقاقات التنمية، تبدو قدرة المؤسسات على تحويل التوجيهات إلى واقع ملموس المعيار الأهم لقياس نجاح المرحلة المقبلة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com