زيارة فرنسية مرتقبة إلى العيون تعزز التحول الاستراتيجي في الموقف من الصحراء المغربية
حنان الفاتحي
بروكسل – تستعد مدينة العيون لاستقبال وفد دبلوماسي فرنسي رفيع المستوى مطلع الأسبوع المقبل، في زيارة تمتد لثلاثة أيام وتحمل أبعاداً سياسية ودبلوماسية تتجاوز طابعها التقني المعلن، في ظل التحولات المتسارعة التي تعرفها قضية الصحراء المغربية داخل أروقة الأمم المتحدة، والتقارب غير المسبوق بين الرباط وباريس خلال السنوات الأخيرة.
وبحسب معطيات متداولة في أوساط إعلامية ودبلوماسية، فإن الوفد الفرنسي، الذي سيقوده السفير الفرنسي بالمغرب، سيضم خبراء ومستشارين مختصين في قضايا السلم والأمن وعمليات حفظ السلام، على أن تشمل الزيارة سلسلة لقاءات ميدانية مع مسؤولي بعثة الأمم المتحدة في الصحراء المغربية “المينورسو”، إلى جانب الاطلاع المباشر على ظروف اشتغال البعثة واحتياجاتها اللوجستية والعملياتية.
زيارة تتجاوز البعد البروتوكولي
رغم أن الزيارة تقدم رسمياً في إطار متابعة عمل بعثة الأمم المتحدة، إلا أن توقيتها وسياقها الإقليمي والدولي يمنحانها دلالات أعمق. ففرنسا، العضو الدائم في مجلس الأمن، تدرك أن ملف الصحراء دخل مرحلة جديدة عنوانها الانتقال من إدارة النزاع إلى البحث عن تسوية واقعية ومستدامة، تقوم على المبادرة المغربية للحكم الذاتي باعتبارها الإطار الأكثر جدية ومصداقية.
ومن هذا المنطلق، فإن انتقال وفد فرنسي رسمي إلى العيون، كبرى مدن الأقاليم الجنوبية للمملكة، يشكل رسالة سياسية واضحة مفادها أن باريس لم تعد تكتفي بالمواقف التقليدية الحذرة، بل باتت تتجه نحو مقاربة أكثر وضوحاً وانخراطاً في دعم الاستقرار والتنمية تحت السيادة المغربية.
المينورسو أمام مراجعة شاملة
تأتي هذه الزيارة في وقت تستعد فيه الأمم المتحدة لإعادة تقييم مهام بعثة “المينورسو”، على ضوء التحديات الجديدة التي تواجهها البعثة، سواء من حيث النجاعة الميدانية أو طبيعة الأدوار المنتظرة منها في المرحلة المقبلة.
فقد شهدت المنطقة في الأشهر الأخيرة زيارات متتالية لمسؤولين أمميين، من ضمنهم خبراء في المراجعة الاستراتيجية وقيادات عسكرية أممية، شملت العيون والسمارة ومخيمات تندوف وموريتانيا، ما يعكس وجود نقاش داخلي متقدم بشأن مستقبل البعثة وآليات عملها.
وفي هذا السياق، تبدو فرنسا حريصة على أن تكون جزءاً من صياغة الرؤية الأممية المقبلة، ليس فقط باعتبارها ممولاً رئيسياً لبعض عمليات حفظ السلام، بل أيضاً بصفتها فاعلاً دولياً يملك تأثيراً وازناً داخل مجلس الأمن.
العيون… مركز القرار التنموي في الجنوب
اختيار العيون كمحطة رئيسية لهذه الزيارة لا يخلو من رمزية. فالمدينة تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى واجهة تنموية متقدمة، بفضل مشاريع البنية التحتية والاستثمارات الكبرى التي أطلقتها المملكة في إطار النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية.
وباتت العيون اليوم تمثل نموذجاً عملياً للاستقرار والاندماج الاقتصادي والاجتماعي، في مقابل حالة الجمود والهشاشة التي تعرفها مخيمات تندوف. ولهذا، فإن أي زيارة دولية إلى المدينة تمنح الوفود الأجنبية فرصة معاينة الفارق الكبير بين منطق الدولة والاستثمار، ومنطق الاحتجاز والارتهان السياسي.
باريس والرباط… شراكة تتجاوز الخلافات السابقة
الزيارة المرتقبة تأتي أيضاً في سياق دينامية جديدة في العلاقات المغربية الفرنسية، بعد سنوات من التوتر الصامت وسوء الفهم السياسي. فمنذ إعلان باريس دعمها الواضح لمغربية الصحراء، دخلت العلاقات الثنائية مرحلة إعادة تأسيس شاملة، توجتها لقاءات رفيعة المستوى بين الملك محمد السادس والرئيس إيمانويل ماكرون.
وتوسعت هذه الشراكة لتشمل ملفات الأمن والهجرة والطاقة والاستثمار والتنسيق في أفريقيا، حيث ينظر البلدان إلى تعاونهما باعتباره ركيزة لاستقرار غرب المتوسط والقارة الأفريقية.
ولذلك، فإن زيارة وفد فرنسي إلى العيون لا يمكن فصلها عن هذا التحول الاستراتيجي، الذي يجعل من قضية الصحراء مدخلاً لإعادة صياغة العلاقات الثنائية على أسس أكثر وضوحاً ومصالح مشتركة طويلة الأمد.
رسائل إلى مجلس الأمن
من المنتظر أن يلتئم مجلس الأمن خلال الفترة المقبلة في جلسات مغلقة لمناقشة مستجدات الملف، استناداً إلى تقارير الأمين العام وإحاطات مسؤولي البعثة الأممية. وفي هذا التوقيت بالذات، تكتسب الزيارة الفرنسية قيمة سياسية مضاعفة، إذ تمنح باريس معطيات ميدانية مباشرة يمكن أن تؤثر في النقاشات المقبلة بشأن مستقبل “المينورسو” ومسار الحل السياسي.
كما تبعث برسالة إلى الأطراف الأخرى مفادها أن القوى الكبرى باتت تميل أكثر فأكثر إلى مقاربة واقعية، تتجاوز الأطروحات المتجاوزة التي عطلت التسوية لعقود.
التحرك الفرنسي نحو العيون ليس مجرد زيارة تقنية لبعثة أممية، بل مؤشر إضافي على التحول العميق الذي يشهده الملف على المستوى الدولي. فالمغرب، بفضل استقراره ومشاريعه التنموية ودبلوماسيته الهادئة، نجح في نقل النقاش من شرعية المطالب إلى فعالية الحلول.
أما فرنسا، التي أعادت تموضعها في هذا الملف، فتبدو اليوم أكثر اقتناعاً بأن مستقبل المنطقة يمر عبر دعم المبادرة المغربية وتعزيز الاستقرار في الأقاليم الجنوبية، لا عبر استمرار نزاع استنزف المنطقة لعقود دون أفق.